الثلاثاء، ٢١ فبراير، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

هل يولِّدُ الربيعُ العربي توازُنًا اقتصاديًا جديدًا؟

إبراهيم سيف

بدلاً من أن يكون النمو الاقتصادي عامل استقرار، أصبح  عامل توتر يعمق الفجوات ويزيد من درجة الإحباط  في الأوساط التي لا تستفيد من ثمرات النمو. 


تمثل الثورات والاحتجاجات التي يشهدها عدد من الدول العربية، في أحد جوانبها، تعبيرًا عن حالة من الغضب وعدم الرضا عن الوضع الاقتصادي والاختلالات السائدة في هذه الدول. ويترافق ذلك مع حالة من الاحتقان السياسي، نتيجة غياب المشاركة الواسعة في صنع القرار. 


ولا بد من التمييز بين مجموعتين من الدول: غير المنتجة للنفط؛ والتي تعاني من عجوزات في الموازنة ومن ضغوطات داخلية متنامية تطالب باستعادة دور الدولة لتحقيق توازن جديد؛ والدول الخليجية النفطية التي لا تعاني نفس القدر من المشاكل الاقتصادية.


والمقصود بالتوازن الجديد، هو العلاقات داخل المجتمع بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وبين السياسيين، حيث يشكل السعي لتحقيقه قاسمًا مشتركًا ما بين  معظم  الدول العربية، مع أن عناصر التوازن الجديد تختلف باختلاف التركيبة الاقتصادية والاجتماعية في كل دولة.


وسيتم التركيز بالدرجة الأولى على دول تعيش حالة من التحولات الجذرية  مثل مصر وتونس، ودول أخرى ما زالت تفاضل بين خياراتها الاقتصادية مثل المغرب والأردن. لكن الثابت هو أن نمط العلاقات السائد ما بين الدولة من جهة، وبين القطاع الخاص وبقية الفاعلين بما فيهم العاملون بأجر والمؤسسات الصغيرة، من جهة أخرى، لم يعد مقبولاً وبات بحاجة إلى مراجعة. ومن المسائل المتعلقة بهذا التوازن على سبيل المثال، مستويات الأجور، وظروف العاملين، وتركيبة الأسواق، وتحديد الأسعار. 

فرضت الأزمة الإقتصادية تراجعًا عن سياسات السوق الحر الذي يتجاهل تعزيز مؤسسات الرقابة ومفهوم العدالة الاجتماعية والتباين في مستويات الدخل وعدم توليد فرص العمل اللائقة.  
وبالرجوع إلى مستويات النمو المتحققة على مدى العقد الماضي وإلى ما قبل اندلاع الثورات وحركات الاحتجاج الاجتماعية والسياسية، فإن النمو المتحقق كان مرتفعًا بكافة المقاييس، وكانت بعض الدول تقدم على أنها قصص نجاح مثل تونس والأردن. وما كان يغيب عن تلك التقديرات للنمو هو التبعات الاجتماعية وتأثيرات تلك النسب على مستويات الرفاه بشكل عام، وسوية الخدمات الأساسية ومدى فعالية الإنفاق الاجتماعي في تلك الدول. 


ومنذ بداية التسعينيات، أي بداية تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي  في العديد من الدول العربية مثل مصر وتونس والمغرب والأردن) كذلك شهدت سوريا تحولات اقتصادية وإن جاءت السياسات متأخرة عن بقية الدول(، نشأت معادلة غير متوازنة ما بين نمو يُحتفى به ويفيد فئات محددة، فيما تتراجع سوية التعليم والخدمات الأساسية لتعمق من الاختلالات، وبدلاً من أن يكون النمو الاقتصادي عامل استقرار، أصبح  عامل توتر يعمق الفجوات ويزيد من درجة الإحباط  في الأوساط التي لا تستفيد من ثمرات النمو. 


فما الذي يمكن أن يتغير في حقبة الربيع العربي؟

 بداية لا يمكن التقليل من أهمية العامل  الأيديولوجي الذي ساد  لفترة طويلة  وقادته مؤسسات عالمية مؤثرة مثل البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. والتي ركزت على عوامل الاستقرار والنمو بغض النظر عن التأثيرات الجانبية التي كان يفترض أن النمو سيتكفل بها. هذا البعد الأيديولوجي تراجع بريقه منذ وقوع الأزمة المالية العالمية في النصف الثاني من ٢٠٠٨، حيث تم الربط بين السياسات الاقتصادية المتبعة في الدول الغربية وبين الأزمة المالية العالمية، وقاد هذا إلى مراجعات في الدول التي كانت تعتبر نموذج النمو في الدول الغربية هو السبيل لزيادة معدلات الرفاه. وذلك ينطبق على الدول التي طبقت برامج الإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى دول الخليج الغنية التي اعتمدت تلك الأفكار إعجابًا بما توصلت إليه دول أوروبا وأميركا. أما إلقاء مسئولية الأزمة على تلك السياسات، فقد فرض تراجعًا عن سياسات السوق الحر الذي يتجاهل تعزيز مؤسسات الرقابة ومفهوم العدالة الاجتماعية والتباين في مستويات الدخل وعدم توليد فرص العمل اللائقة.  والمرجح أن تدخل هذه المتغيرات ضمن المعادلة الجديدة لا أن يتم التعامل معها كمخرجات جانبية لعملية التحول الاقتصادي. ولتحقيق ذلك فإن صناعة القرارات الاقتصادية وإدماج الفئات المهمشة، ومنح الفرصة للفاعلين الاقتصاديين للمساهمة في صنع القرار تصبح ضرورية ضمن ما يُعرف بالنمو التضميني الذي بات مصطلحًا مقبولاً في أوساط صناع القرار في الدول العربية. 


العامل الثاني يتعلق بالتركيبة السياسية التي أتاحت تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الفئات الصغيرة مثل الصناعات الصغيرة والمتوسطة أو العاملين في القطاع غير الرسمي والذين يشكلون في مصر، مثلاً، حوالي نصف القوى العاملة. كذلك تم إهمال القطاع الزراعي وهو ما يفسر تراجع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي في كل من المغرب وتونس والأردن ومصر خلال العقد الماضي. والواقع أن البرامج الإصلاحية ركزت على القطاع الخاص الكبير الذي يتمثل في غرف الصناعة والتجارة والمؤسسات ذات الحجم الكبير في قطاعات مثل البنوك والاتصالات والخدمات، ولم تراع مصالح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلا بالقدر الذي يخدم مصالح أصحاب المصالح الكبيرة. فأصبح تقييم الدول من قبَل بعض المؤسسات الدولية  مثل منتدى الاقتصاد العالمي، أو تقرير مناخ الأعمال الذي يصدره البنك الدولي وغيرها يستند على درجة رضا القطاع الخاص عن الوضع القائم، أو بتعبير آخر، مدى رضا القطاع الخاص عن الحكومات. 

البرامج الإصلاحية ركزت على القطاع الخاص الكبير الذي يتمثل في غرف الصناعة والتجارة والمؤسسات ذات الحجم الكبير في قطاعات مثل البنوك والاتصالات والخدمات، ولم تراع مصالح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وخلال التحولات الاقتصادية سالفة الذكر، ومع غياب البيئة السياسية القادرة على تنفيذ حاكمية جديدة، رافق التنفيذ درجة عالية من الفساد، كذلك تم إضعاف مؤسسات الرقابة والمؤسسات التشريعية. نتج عن ذلك أمران: الأول، يتعلق بتنفيذ برامج التخصيص ونقل ملكيات القطاع العام إلى الخاص بصفقات قادتها مجموعة متنفذة ومتحالفة لخدمة مصالحها الضيقة من القطاعين العام والخاص؛ أما الثاني، فقد تمثل بالإضعاف المنهجي لدور المؤسسات. فمع إضعاف البرلمانات، بحيث لا تساهم بصنع السياسات أو إجراء الحوار اللازم حول التشريعات الناظمة للشأن الاقتصادي، فقد عنى التخصيص  نقل الأصول من القطاع العام إلى الخاص تحت إطار قانوني. 


فكيف كان يحدث ذلك؟

 خلال فترة التحولات الاقتصادية  هيمن البعد الأمني على الحياة السياسية، بذريعة الحفاظ على الاستقرار  والتخوف من "البديل الإسلامي" المتطرف. 


وواقع الحال أن المؤسسات الأمنية لا تخضع لأي شكل من أشكال الرقابة من المؤسسات الرقابية، مثل المجالس التشريعية وهيئات مكافحة الفساد، الأمر الذي أتاح لتلك المؤسسات التمدد خارج حدود الدور الأمني المفترض.  وباتت تلك المؤسسات شريكة في الكثير من الأعمال في قطاعات الاتصالات وأحيانًا في بعض القطاعات الخدماتية مثل الصحة والتعليم. 


وعليه، نشأ تحالف غير معلن بين "الأمن ومؤسساته" وبين فئة محددة من رجال الأعمال، لتسهيل تنفيذ السياسات التي كانت تُفرض من قبل المؤسسات الدولية.  فتم إضعاف الهيئات التي تدافع عن حقوق العمال أو تدافع عن المستهلكين، وتراجعت نسبة الأجور إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية خلال عقدي التسعينيات وبداية الألفية الجديد، وهذا يعني أن النسبة الأكبر من النمو المتحقق ستعزز فرص من يتملك الأصول. ومع مزيج من ضعف المؤسسات، والتنسيق بين المال والأمن، وضعف الرقابة،  كان من الطبيعي انتشار الفساد وعدم حدوث التنويع في الاقتصادات وامتناع التطور في مجال تنافسية الاقتصاد، وأن يؤدي كل ذلك إلى تعميق هوة الدخل بين الأغنياء والفقراء. 


لكن الربيع العربي يحمل في طياته بعض الوعود بتغيير هذا النمط، فتراجع دور المؤسسة الأمنية يعني البدء بتفكيك التحالف بينها وبين قطاع رجال الأعمال.  كذلك فإن تخفيف القبضة الأمنية يعني إمكانية إطلاق الحريات المدنية، ولو بشكل جزئي، خلال الفترة الانتقالية بحيث يصبح هناك نقابات واتحادات تدافع عن المجموعات المتفرقة التي كانت مهمّشة.


وهناك إجماع أن المؤسسات التي كانت تدعي العمل للدفاع عن العمال والمستهلكين كانت صورية لتحسين صورة الأنظمة السياسية، ولعل الحركة النقابية والعمالية النشطة في تونس ومصر تعكس الصورة المستقبلية لما يمكن أن يكون عليه العمل النقابي. ففي مصر مثلاً تم انتخاب اتحاد جديد لنقابات العمل وتم إلغاء الاتحاد القديم بالصيغة التي كان معمولا بها، كذلك  نظَّم الأطباء والمعلمون في مصر إضرابات احتجاجية بعد سقوط مبارك للمطالبة بتحسين ظروف عملهم. كذلك في تونس، بات اتحاد الشغل فاعلاً سياسيًا مهمًا خلال فترة التحول التي تشهدها البلاد. 

وأحد الحلول التي تقدمها الدول التي هي في طور التحول، هو توسيع أطر المشاركة السياسية وإجراء حوارات اجتماعية تجمع مختلف الأطراف؛ فهذا أحد الحلول القليلة المتاحة أمامها للحفاظ على استقرارها وضمان مستقبلها.
وأحد الحلول التي تقدمها الدول التي هي في طور التحول، هو توسيع أطر المشاركة السياسية وإجراء حوارات اجتماعية تجمع مختلف الأطراف؛ فهذا أحد الحلول القليلة المتاحة أمامها للحفاظ على استقرارها وضمان مستقبلها. 


عمليًا، تشكل تجربة مصر وتونس حتى الآن نموذجًا جيدًا. ففي تونس تستعيد بعض مؤسسات المجتمع المدني دورها، كما يشير لذلك عدد الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية، وترفع  الحركات الجديدة شعارات تطالب بتحقيق التوازن، فيما لا ترفض طريقة توزيع الدخل والأرباح  والأجور السائدة، ولا تتقبل فكرة الفساد والتغطية عليه، والتي حكمت القرارات الاقتصادية لحقبة طويلة. 


كذلك هناك حركات سياسية مثل السادس من أبريل في مصر، واليسار الاجتماعي  في الأردن، ترفع شعار العدالة الاجتماعية.  وحال وصول هذه المجموعات إلى المؤسسات التشريعية  ستكون تحت الاختبار فيما إذا كانت ستحافظ على نفس الشعارات ومدى قدرتها على الدفاع عنها. فمن المعروف أن البرامج الاقتصادية للحركات الإسلامية التي نجحت في المغرب وتونس ترفع شعارات تختلف عن السائد، ويبقى أن نرى كيف ستتم ترجمة تلك الشعارات على أرض الواقع.  


وحال تنفيذ الانتخابات التشريعية فإن توازنًا جديدًا سينشأ بالضرورة، للتعبير عن مصالح فئات عريضة من خلال صناديق الاقتراع، وهذا هو العامل الحاسم الجديد الذي يعول عليه كثيرًا. ولعل تجربة الانتخابات في تونس ومصر، وفوز الحركات الإسلامية فيها بأكبر عدد من المقاعد هي خير تعبير عن التوازنات الجديدة التي تناولناها.


أما في الدول التي ما زالت تفاضل بين خياراتها مثل المغرب والأردن، فإن الصورة تبدو أقل إشراقًا، وليس من الواضح كيف سيتبلور التوازن الجديد بالنظر إلى أن معظم مطالب الشارع تتم الاستجابة لها بزيادة الإنفاق العام، وليس من خلال رسم سياسات تختلف جذريًا عما هو سائد. أما في دول  الخليج ، فقد تم اللجوء حتى الآن إلى التوسع  في الإنفاق العام؛ كما يحصل في السعودية وقطر. أما البحرين فقد لجأت لمقاربة أمنية للتعامل مع المحتجين، وهناك مطالبات بالتغيير في الدول الخليجية ما زالت في طور التبلور. 


الحقيقة الثابتة في كل ما يجري هي أن توازنًا جديدًا أكثر تمثيلاً ويعبر عن مصالح  شرائح مختلفة، هو في طور التبلور، سواء لأسباب موضوعية مثل مصر وتونس أو لأسباب تتعلق بنموذج اقتصادي جديد كما في دول الخليج، وهناك أطراف عديدة تحاول تحسين وضعها فيما تسعى القوى التقليدية  للحفاظ على الوضع القائم. والتحدي هو كيف يمكن للوافدين الجدد إلى ساحة صنع القرار، التحالف والتوصل إلى توازن جديد وتحقيق نمو اقتصادي يساعد في حل المشاكل التي تعانيها الدول المعنية. 

إبراهيم سيف: باحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وباحث اقتصاد متخصص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والحوكمة المؤسساتية، واقتصاد سوق العمل. يمكنكم متابعته على تويتر عن طريق  @ibrasaif

أقرأ المزيد لـ:  إبراهيم سيف

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم