الخميس، ٢٧ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

عقدة اللحية في مصر

يوسف شهود

فعلى سبيل المثال، إذا نجح، محمد مرسي، رئيس مصر المنتخب حديثاً ذو اللحية الرائعة في أن يتخطى التوقعات، فمن الممكن أن يصبح شعر الوجه لدى الذكور علامة من علامات الكبرياء الوطني التي تلقى قبولاً واسعاً. وهو أمر مشابه لاتجاه لاعبي دوري الرابطة الوطنية لكرة السلة الأمريكية إلى إطلاق لحاهم بشكل مفاجئ في العام المنصرم، أو أسلوب تهذيب الشعر القائم فعلاً في شوارع جنوب فيلادلفيا.


في السنوات الأخيرة، أصبح الناس يمعنون النظر بشكل أكبر في المظهر الخارجي للمسلم. ويتجلى هذا الاتجاه بسهولة في حظر الحجاب أو النقاب بدرجات مختلفة عبر غرب أوروبا. ويتضح هذا الأمر، بشكل أكثر مكراً، في جرائم الكراهية التي ليس من النادر أن تُرتكب ضد السيخ والهندوس الذين تشبه هيأتهم على نحو ملتبس المظهر الذي "ينبغي" أن يبدو عليه المسلم حسب وصف المستشرقين. ولا شك في أن مثل هذه الأفكار النمطية هي التي شجعت (الصحفي والمحلل السياسي الأمريكي) خوان ويليامز على أن يقول تعليقه القبيح حول "الزي الإسلامي" والذي ما زال يتردد بين كثير من الأمريكيين والأوروبيين.


 ومع ذلك، وكما تعلمت من الفترة التي قضيتها في مصر، فالمسلمون أنفسهم ليسوا محصنين ضد تصنيف الآخرين، ولا سيما غيرهم من المسلمين، حسب مظهرهم.


عقدة معقدة

إن العبء الثقافي المصاحب لإطلاق اللحية في مصر، على الرغم من تصدره عناوين الأخبار مؤخراً، ليس ظاهرة جديدة وإنما هو ظاهرة تشكلت على مدى عقود كثيرة.

فالمسلمون أنفسهم ليسوا محصنين ضد تصنيف الآخرين، ولا سيما غيرهم من المسلمين، حسب مظهرهم.
فعلى سبيل المثال، قبل أكثر من قرن، وحتى الأسبوع الماضي فقط، لم يكن لدى أي شخصية عامة رفيعة المستوى في مصر سوى شارب مهذب بعناية. وبمضي السنوات، أصبح هذا الشارب سمة من سمات العناية بالنفس تعبر عن الرجولة في حد ذاتها. وللتأكد من ذلك، ما عليك سوى أن تشاهد مجموعة مختارة بشكل عشوائي من أفلام العصر الذهبي للسينما المصرية. وإلى يومنا هذا، من المرجح أن نسبة الرجال المصريين الذين يطلقون شواربهم (ولا سيما ممن تجاوز عمرهم ٤٠ عاماً) تفوق المتوسط العالمي بكثير.


وكانت هناك أيضاً معوقات أكثر شناعة حالت دون انتشار اللحى السنية على التراب المصري. ففي الواقع، تمثلت-- إحدى الممارسات الشائعة بكثير من الشركات الخاصة الكبيرة في استبعاد الملتحين المتقدمين لشغل الوظائف بمجرد النظر إلى طلباتهم. وامتدت هذه السياسة "غير الرسمية" إلى ما وراء الصناعات التي تطرأ على البال مباشرة، مثل السياحة والفندقة، وخلقت سقفاً زجاجياً  - هذا إن لم يكن حاجزاً معتماً بالكامل - في كثير من الصناعات العاملة في مجالات تهدف إلى الربح. ومنذ الانتفاضة التي أطاحت بحسني مبارك، حدث بعض التراجع عن هذا السلوك التمييزي، ولكن يظل الوضع الراهن على ما هو عليه بوجه عام.


وفي حين بذلت المشروعات الخاصة على الأقل جهداً لإخفاء التمييز الذي تمارسه، تباهت مؤسسات القطاع العام علانية بقوانينها المناهضة لإطلاق اللحية. وأكثر من هذا، فإن هذه القيود لم تطبَّق على الموظفين والمجندين فقط، بل إن كثيراً من الجهات الحكومية في عهد مبارك حظرت حتى دخول المدنيين من أصحاب اللحى الطويلة إلى مبانيها. ومن المسلَّمات أنه عند مقارنة هذه الممارسات بممارسات أجهزة إنفاذ القانون والجهات العسكرية في بلدان أخرى، نجد أن الجانب الداخلي من هذه السياسات يعد إلى حد بعيد أمراً عادياً. ومع ذلك، كم من هذه البلدان تضم بين صفوف العاملين بالخدمة العامة من يزدري فعلياً هذه اللوائح؟ 

وقد خلقت كل تلك العوامل مجتمعة مناخاً خصباً لردود فعل غير عقلانية فيما يختص بشعر وجه الرجل.


كوميديا الموقف

تثير اللحية ردود فعل غير منطقية إلى حد بعيد، وقد تكون أحياناً غريزية، في شوارع القاهرة. فإذا كنت شاباً قاهرياً وملتحياً، فستجد المواقف التالية مألوفة جداً بالنسبة إليك:


١)نصِّب نفسك شيخاً قبل أن تدمر نفسك

تدخل مُصلّى ويقيم المؤذن الصلاة، فتقف في الصف كالمعتاد ثم تلاحظ أن نظرات الجميع تتجه نحوك.  تشعر بعدها بوكزة رقيقة على ظهرك... تليها أخرى. "يلا يا شيخ، اتفضل"، يقولها بإصرار أخ يقف إلى جانبك معبراً عن المشاعر الجماعية في الغرفة. ترفض عرضه بأسلوب مهذب، ليس بدافع التواضع، ولكن لقناعتك المخلصة أنك دون شك لست أكثر الأشخاص صلاحية لإمامة المصلين. لا يهم، لأن إخوانك بدؤوا يضيقون ذرعاً "بتواضعك". ولكي تتجاوز الفتنة المتصاعدة، فضلاً عن الوكزات "الرقيقة" التي تزداد عدوانية، تؤدي دورالإمام.

مع ازدياد شعر الوجه، تزداد المسئولية.

من الأفضل، في الوقت الراهن، أن تعد نفسك للحماقات التي يتعذر تجنبها والتي تصاحب تباهيك بثمار حويصلات شعر وجهك في شوارع القاهرة.
٢)اللحية والملبس

فصل الصيف في شمال إفريقيا غير مناسب لضعاف القلوب. فعليك أن تفعل ما في وسعك لتحافظ على برودة جسمك، بما في ذلك ارتداء ملابس ملائمة للطقس. فبعد ظهيرة يوم شديد الحرارة، تجرأت على الخروج إلى الشارع وأنا أرتدي شورتاً (أسفل الركبة)، وقميص بولو، وصندلاً، وقبعة بيسبول؛ ولأنني كنت أنوي إنجاز مهام كثيرة، حملت معي حقيبة ظهر. ومن الواضح أن هذه التوليفة من الملابس فاقت احتمال أحد الإخوة الملتزمين دينياً. فلحق بي في شوارع القاهرة وعرض عليّ نصيحة، لم أطلبها:

"أخي، الشخص المحترم لا ينبغي أن يلبس بهذه الطريقة"، قالها الأخ الملتزم وهو يشير إلى لحيتي ثم إلى ملابسي. 

أجبته متحيراً: "عفوا؟"

استكمل الأخ الملتزم حديثه مستشهداً بالحديث النبوي الذي ينهى عن التشبه بالكفار، فحاولت أن أناقش معه الفروق الدقيقة التي وردت بالحديث، ولكنه لم يسمح بذلك.

ثم قال مؤكداً: "تبدو وكأنك أمريكي".

لا حدود للسخرية!!


٣)هل هذه اللحية تجعل رأسي يبدو أكبر؟

تركب إحدى سيارات التاكسي التي لا حصر لها والتي تعوق المرور في القاهرة. وإذا كنت، مثلي، مصاباً بحساسية ضد دخان السجائر، تطلب من سائق التاكسي بأسلوب مهذب أن يطفئ سيجارته المارلبورو. يستجيب لك السائق على مضض. ومع مزيد من التفحص لمظهرك، يقرر فجأة أن يحول دفة الحوار قائلاً: "إذن، هل تعتقد أن إطلاق اللحية فرض؟" فلا يسعك سوى أن تنظر إليه متحيراً. "هل تعتقد أنني أفعل شيئاً حراماً بعدم إطلاق لحيتي مثلك؟" وقبل أن تجيبه أنك تحاول ببساطة أن تبذل قصارى جهدك لاتباع السنة النبوية ولا تشعر مطلقاً أنها تجعل منك مسلماً أفضل من آخر حليق اللحية، يبدأ السائق في حماسة بتعداد الأسماء: "عمرو خالد، ومعز مسعود، وذلك الشخص الذي يجوِّد القرآن في قناة دريم ٢... هل كل أولئك آثمون؟!؟"

ستكون رحلة التاكسي طويلة...

لحيتك بطول قبضة اليد؟ لا بد أنك من الإخوان. ياه، لقد حلقت شاربك؟ أنت قطعاً سلفي. شاربك ولحيتك مهذبان بعناية؟ أعتقد أنك من النوع المعتدل المتأثر بأبوالفتوح.
زيادة الطين بِلّة

فضلاً عن الدلالات الاجتماعية-الدينية التي تغلغلت في طريقة إدراك الناس للحية بمصر، فقد أضافت الأحداث التاريخية الأخيرة طبقة جديدة من التعصب المدفوع بأسباب سياسية.

لحيتك بطول قبضة اليد؟ لا بد أنك من الإخوان. ياه، لقد حلقت شاربك؟ أنت قطعاً سلفي. شاربك ولحيتك مهذبان بعناية؟ أعتقد أنك من النوع المعتدل المتأثر بأبوالفتوح.


ومع الحالة الديناميكية التي تعيشها مصر، على الصعيدين السياسي والثقافي، ليس من المستبعد على الإطلاق أن تتنحى هذه الأفكار النمطية السطحية جانباً أو تصطبغ بمعانٍ بناءة أكثر. فعلى سبيل المثال، إذا نجح، محمد مرسي، رئيس مصر المنتخب حديثاً ذو اللحية الرائعة في أن يتخطى التوقعات، فمن الممكن أن يصبح شعر الوجه لدى الذكور علامة من علامات الكبرياء الوطني التي تلقى قبولاً واسعاً. وهو أمر مشابه لاتجاه لاعبي دوري الرابطة الوطنية لكرة السلة الأمريكية إلى إطلاق لحاهم بشكل مفاجئ في العام المنصرم، أو أسلوب تهذيب الشعر القائم فعلاً في شوارع جنوب فيلادلفيا. 

 

وعلى أي حال، من الأفضل، في الوقت الراهن، أن تعد نفسك للحماقات التي يتعذر تجنبها والتي تصاحب تباهيك بثمار حويصلات شعر وجهك في شوارع القاهرة.

نشر هذا المقال في الأصل في مسلم ماتِرز Muslim Matters. 

 يوسف شهود كاتب من بروكلين، نيويورك، وهو أصلاً من الإسكندرية بمصر ويدرس لتحصيل الماجستير في العلوم السياسية. يمكنكم متابعته على تويتر @TheAlexandrian

أقرأ المزيد لـ:  يوسف شهود

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

Lefty

Apr 22 2017 11:29:15:830AM

BWlctiSYyGK
it is more popular than music ^^because because on youtube people post everything besides muirc.thesefor YouTube has both music and other shit. so the conclusion, youtube is more popular than music ^^

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم