الخميس، ٢٧ ابريل، ٢٠١٧ 

رأى الجريده

أولويات، أولويات، أولويات

عام مَرَّ على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ م، ولا يزال النقاش دائرًا حول المطالب الكثيرة للثورة التي لم تتحقق حتى الآن، وكذلك "أولويات الثورة". وهو محل تساؤل ليس فقط الإنجازات الأساسية للمرحلة الإنتقالية، ولكن بشكل أكثر أهمية وهل مكاسب الثورة التي تحققت والتي ستتحقق وهل ستدوم؟ أم أنها ستتراجع في النهاية؟

 

وهناك  وَهْمٌ يعيش فيه البعض؛ وهو أن الناس - وهم جماعات متجزأة ومختلفة المصالح - يمكن أن تتحد وتتفق على مجموعة من الأولويات أو المطالب التي تُحقِّق "إنجازات" الثورة، وهذا أمر مستحيل؛ وفي الواقع فإن هذا الوهم يُبدِّد القوة الجماعية للثورة بعيدًا عنها؛ لأن كل فريق من هذه الفرق المختلفة له مجموعة من الأولويات الخاصة التي يركز عليها، ويجعلها أمام عينيه، وهو ما يجعل من السهل تقسيم هذه الفرق ومطالبها أيضًا، فلا يتحقق التغيير المنشود، وبالتالي تفشل الثورة في تحقيق أهدافها.

 

ولذلك فإنه من الواجب علينا جميعًا أن نركز أولًا على مطلب واحدٍ، الذي يحشد هذه الفرق والفئات جميعها خلفه، هذا المطلب إذا تحقق سيكون له عظيم الأثر، وسيكون الحافز الذي سيضمن -أو على الأقل سيزيد- من فرص تحقيق المطالب الأخرى كلها. 

 

هذه الأولوية وهذه النقطة المحورية لطاقتنا وجبهتنا الموحدة، يجب أن تكون: ضمان الإستقلال التام للسلطة القضائية، وسلطات التحقيق (النائب العام)، وأن نضمن أن يكون لهما القدرة على متابعة الأحكام وتقديمها، وتنفيذها كذلك دون قيدٍ، ليس فقط بعيدًا عن ضغط السلطة التنفيذية وتأثيرها، ولكن كذلك أي طرف ثالث من أصحاب المصالح.

 

ولو سأل سائل: لماذا يجب أن تكون هذه هي الأولوية المطلقة؟ لأجبنا قائلين: هذا المطلب يعني أن كل شكوى أو بلاغ سيُقدَّم سيُنظَر فيه -بغض النظر عن المستوى الاجتماعي للمشتكي بصورة عادلة ومستقلة، وبشكل سريع دون أي تأثير خارجي، هذا المطلب لن يُحقِّق فقط الهدف المتمثل في تأمين "العدالة المتساوية للجميع" والإلتزام بما يتفق مع "سيادة القانون" (وهما الأساس الوحيد لبناء ديمقراطية مؤسسية دائمة)، ولكنه أيضاً سيُنشئ الأساس المتين الذي يعتمد عليه تحقيق جميع المطالب الأخرى.

 

كيف يكون ذلك؟ دعونا نتصور أن هذا قد تحقَّق فِعليًّا، فلو رأينا  شهداء وضحايا التعذيب يَسعَوْنَ إلى تحقيق العدالة، والعمال يُقْهَرون، والانتخابات تُزوَّر، ووسائل الإعلام تنحاز عمدًا، ومحاولات الحصول على أموالنا من مبارك وزمرته من أتباعه الفاسدين، وكذلك التحقيق في صفقة بيع الغاز لإسرائيل، والتحقيق في الجرائم التي ارتُكِبَتْ في أماكن مثل ماسبيرو وشارع محمد محمود، كل هذه القضايا أو الشكاوى يمكن ساعتَها متابعتُها وبشكل عادل ومستقلٍّ، وستُصدِر المحاكم أحكامًا عادلة، خالية من أي نفوذ سياسي.

 

وحينئذٍ سيكون أساس المطالب كلها له القوة والشرعية؛ لإمتثالهم الصارم لسيادة القانون والعدالة، مما يجعل من الصعب جدًّا على أي سلطة أو قوة في هذا البلد رَفْض تحقيق وتنفيذ تلك المطالب.

 

ولكننا يجب أن نوضِّح أننا لا ندعو لأن نصبح مجتمعًا تتنازعه الفُرقة، فيُكثِر مِن رَفْع الدعاوى القضائية التافهه، وهو ما سيؤدي إلى سدِّ مسار النظام القضائي. فإن المواطنين لو رأوا أن المسائلة الحقيقية والعدالة النزيهة صارت حقًّا هي القاعدة، وليس الاستثناء -بغض النظر عن حالة المُتقاضِين أو وَضْعِهم الاجتماعي- فإنها حتمًا ستبدأ -بمرور الوقت- في تغيير سلوكهم، وستنشأ ثقافةٌ جديدة، ثقافةُ المسائلة، ثقافةُ غياب الإفلات من العقوبة، ثقافةٌ يفترض فيها أنه لا أحد فوق القانون.

 

وقد لا تحتاج إلاعدد قليل فقط من الحالات المثيرة للجدل تحتاج إلى محاكمة عادلة، وبذلك ستصل إلى الناس في أنحاء الدولة تلك الرسالة القوية: "حقوقكم محمية، وستظل كذلك دومًا".

 

إذا ضَمنَّا أن تلك الرسالة وصلت للناس وآمنوا بها، فإن الجاني والمجني عليه سيتصرفان بصورة مختلفة تمامًا عمَّا سبق؛ فسيكون المجني عليه على ثقة تامة بأن حكم القانون هو الذي سيسود، سيقف الجاني لحظة ويفكر "أنني لن يقبض علي وأحاسب بشكل عادل فقط، ولكن سأعاقب حتماً في النهاية" في لحظة الوقفة هذه تكون الثورة قد حدثت فعلاً.

 

إن مطلب الإستقلال المُطلَق للسلطات التحقيق والسلطة القضائية هو مطلب واحد يمكن أن نتفق عليه جميعًا، وهو مطلب سوف تكون أثاره مفيدة لنا جميعًا في نهاية المطاف.

 

ولكي نقيس مدى تحقق هذا المطلب، دعنا نأخذ بعين الإعتبار ما يلي:

 

• وسائل إعلام نظيفة تتسم بالشفافية ولكن بدون تأكيد على نزاهة العدالة - أمر لا معني له.

 

• "تطهير" وزارة الداخلية، ولكن دون عدالة نزيهة سارية - فهو أمر لا معنى له.

 

ومع ذلك إذا عكسنا ما سبق، وبدأنا بالعدالة، فسيوفر هذا ضمان القدرة والإمكانيات للبحث عن "إصلاح" أي خطأ في الممارسة، أو في تحقيق العدالة الحقيقية، التي لا تخضع لأهواء تعسفية، أو تقدير أي طرف، وذلك بغض النظر عن المكانة أو القوة.

 

إن طلب "الإصلاح" أو التقويم وفي الواقع كل المطالب المشروعة ستكون مدعومة؛ لأنها تقوم على العدل والشرعية -وكذلك كل المطالب المشروعة- وبالتالي سيكون من الصعب جدًّا مقاومة إقراره أو رفضه.

 

حتى أولئك الذين قد يشعرون ظاهريًّا بتهديد هذا القبيل من العدالة الحقيقية سيجدون أن مثل هذا النظام العادل في الواقع سوف يكون في صالحهم في نهاية المطاف.

 

ولنضرب مثلًا على ذلك: وزارة الداخلية، كانت المستفيد الأكبر في الماضي من النظام التعسفي واللاموضوعي للعدالة، والآن انقلب الحال ضدهم، فعندما تُشَكَّل الحكومة الجديدة فسوف تكون هناك رغبة قوية جدًّا وضغط كبير من أجل البدء في ملاحقة وزارة الداخلية في مطاردات وحشية أو تحقيقات إستثنائية (وهو الأمر الذي ينبغي أن نقف ضده جميعًا).

 

والطريقة الوحيدة التي يمكن أن تضمن وزارة الداخلية أنها ليست خاضعة لأحكام ذات دوافع سياسية وأحكام جائرة، ستكون من خلال تأييد الآلاف من أفراد الشرطة الشرفاء، الذين لم يشاركوا النظام القديم في المظالم التي ارتكبها، لهذا الطلب أيضًا. فهذه هي الحماية الوحيدة لهم ضد عدالة النظام التعسفي نفسها -ذات الدوافع السياسية التي كانت موجودة في الماضي- والتي تمارس الآن ضدهم. إن هذا المنطق نفسه ينطبق على الغالبية العظمى من المؤسسات الأخرى للدولة التي ستكون حتمًا موضع تحقيقات خاصة ومساءلات.

 

من أجل تحقيق هذا المطلب للعدالة النزيهة يجب إصلاح عنصرين من نظام العدالة، وأن ينفصلا تمامًا عن السلطة التنفيذية للحكومة، ألا وهما: سلطات التحقيق (النائب العام)، والسلطة القضائية.

 

سلطات التحقيق:

 

لقد كان الأمر دائمًا مثيرًا للحيرة، بل إنه أشبه بمن يجعل الذئب حارسًا لقطيع الأغنام، فكيف اطمئننا طوال السنة الماضية لإحالة كل المظالم التي اكتُشِفَت إلى مكتب النائب العام الحالي، بل في صورة خيالية صدقْنا بالفعل أن هؤلاء الذين وَظَّفَهم النظام السابق قديمًا لضمان أحكام قضائية ظالمة ذات دوافع سياسية، هم في الوقت نفسه سيُغيِّرون مبادئهم، ويرتدون ثياب الدعاة الذين سيتابعون ويكشفون كل جرائم النظام المخلوع. هذا بالتأكيد اعتقاد قائم على التمني ووضع أمل في مواجهة أمل آخر.

 

لذا ينبغي على الفور أن تُبدَّل القيادة العليا كاملةً في سلطات التحقيق بمكتب النائب العام، ثم ينبغي أن تُقسَم عملية التعيين لقادة هذه السلطة التحقيقية إلى ثلاث خطوات منفصلة تمامًا بعضها عن بعض: الترشيح، والتصديق، والرقابة. وأن يُعهَد بكل من هذه الخطوات إلى هيئة مستقلة. سيكون للسلطة التنفيذية دور هيئة الترشيح، وتبتعد تمامًا عن عملية التصديق أو الرقابة، فهاتين الخطوتين سيكونا من إختصاص البرلمان ومجلس القضاء الأعلى؛ ففي الوضع المثالي سيكون على مجلس النواب (البرلمان) من خلال لجنته القضائية التصديقُ، وسيكون على مجلس القضاء الأعلى القيام بدور الرقابة.

 

ونكرِّر هنا: أنه يجب أن تُجرَى هذه التغييرات في القيادة العليا لسلطات التحقيق فقط؛ فقد أثبتت الدراسات والتجارب العملية الكثيرة أنه إذا أردت إحداث تغيير في أي منظمة، فيكفي في غالبية الحالات أن تُغيِّر القيادة العليا، ومِن ثَمَّ تتكيف بقية المؤسسة بسرعة، وتعتمد الثقافة والأوامر والتوجُّهات الجديدة التي ستُقِرُّها القيادة الجديدة.

 

السلطة القضائية:

 

أصدر "نادي القضاة" مجموعة من التوصيات التي -إذا اتُّبِعَت- ستقطع شوطًا طويلًا في تحقيق استقلال القضاء، ويجب تنفيذ هذه الخطوات فورًا، وأهمها ما يلي:

 

١. يجب ألَّا يكون لوزير العدل سلطةٌ أو نفوذ على تعيين القضاة أو ترقيتهم أو فصلهم.

 

٢. يجب ألَّا يتدخل وزير العدل في تحديد أي قضية تتداول أمام أي قاضٍ.

 

٣. يجب ألَّا يكون لوزير العدل أي تدخل في تخصيص "الإنتدابات والإعارات"، التي ستُوفَّر للقضاة (سواءً في داخل مصر أم خارجها)، والتي غالبًا ما تشكل الأساس لمهام مُربِحة وقصيرة الأجل.

 

٤. يجب أن يَنتخب أعضاءَ المجلس الأعلى للقضاء من نظراؤُهم في السلك القضائي.

 

فِعليًّا يجب ألَّا يكون لوزير العدل نفوذ على حياة القضاة ووظائفهم، ويجب ألَّا يتدخل في أي جانب من جوانب القضايا والتشريع. وفي المقابل يجب أن يكون الوزير هو الذي يُمثِّل ويعكس احتياجات السلطة القضائية والبيروقراطية القضائية واهتماماتها أمام البرلمان.

 

وينبغي لمجلس القضاء الأعلى أن تكون له المسئولية الرئيسة للتدرج الوظيفي للقضاة، مع رقابة مُحدَّدة يمارسها البرلمان؛ وذلك لضمان وجود مساءلة - دون تأثير- على مجلس القضاء الأعلى.

 

ولا ينبغي لأي طرف التدخل في توزيع القضايا بين القضاة؛ إذ ينبغي أن تكون العملية مبنية على مبادىء ثابته.

وأخيرًا ينبغي أن يكون مجلس القضاء الأعلى الجهةَ المسئولة عن تخصيص "التعيينات المؤقتة."

 

بالطبع هناك تفاصيل أكثر من التوصيات المقترحة هذه، ومع ذلك فإن هذه الخطوات تُلخِّص الخطوات الأساسية المطلقة التي يجب أن تُنفَّذ آنيًّا؛ من أجل ضمان فعالية السلطة القضائية للحكومة وسلامتها واستقلالها.

 

وفي الختام دعونا نتناقش ونتحاور حول أولويات مصر الجديدة، ودعونا نُشكِّل إجماعًا وطنيًّا حول المجتمع الذي نريد بناءه، ولكن دعونا نفعل ذلك بالبدء بالخطوة الأُولى والأكثر جوهرية؛ وهي: أن نضمن لكل مواطن، بغض النظر عن المكانة والجنس والخلفية أو الدين أو العقيدة أو العِرق، الحماية الكاملة وغير المشروطة لحقوقهم، وبغض النظر عن هوية المخالِف للقانون كائنًا من كان، وأنهم سوف يستطيعون السعي وتحقيق العدالة الحقيقية.

 

إن العدالة هي الضامن الوحيد والأخير كي لا نجد أنفسنا في موقف نكتشف فيه أن معاركنا وإنجازاتنا لبناء دولة عدالة ومساواة يحيا فيها كل مواطن في كرامة وإحترام للذات، لا تخضع للنزوات التعسفية من أي فرد أو مؤسسة، وتستمر بشكل دائم في المستقبل البعيد.

 

إذا عشنا دون عدالة لها قداستها فسنكون دائمًا على حافة الخطر؛ خطرِ أن نَفْقِد أي مكتسبات تحققت على امتداد رحلتنا لإنشاء مصر الجديدة، فالعدل هو الركيزة الأساسية لأي مجتمع، وليس مجرد مطلب لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ م، ولكنه يحتاج أن يكون المطلب الأول لمصر جديدة.

أقرأ المزيد لـ:  ميدان مصر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء

グアム シャネル ファンデーション cm

Feb 6 2017 2:49:29:727PM

グアム シャネル ファンデーション cm
ブランド通販店(*^-^*) スーパーコピーブランドメンズレディースファッション時計バッグ財布を海外通販! スーパーコピーブランド激安ショッピングサイトです。 送料無料(日本全国)! サポート体制も万全です。スタイルが豊富で。 最新作も随時入荷いたしております。 ご安心購入くださいませ。 [url=http://www.newkakaku.net/co.htm]グアム シャネル ファンデーション cm[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم