الثلاثاء، ٢١ فبراير، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

الكثير من أوجه التشابه بين ميدان الترافلجار و ميدان التحرير

بريامفادا جوبال

المسألة لا تتتعلق بنا «نحن» في الغرب في مقابل «هؤلاء» في الشرق الأوسط، لكنها تتعلق بالصدام الأساسي بين همجية وبطش حكم الأثرياء الاقتصادي وبين حضارة العدالة الاجتماعية.


من السطحية والتبسيط أن نقول أن المظاهرات في الغرب تختلف جذرياً عن المظاهرات في الشرق الأوسط لمجرد أننا لا نحارب طغاةً مستبدين


في يوم السبت ٢٦ مارس٢٠١٢  تحوّل ميدان له شهرة عالمية في لندن إلى ميدان آخر له شهرة عالمية في القاهرة، تحوّل ميدان ترافلجار إلى ميدان التحرير الذي أسر فيه المصريون انتباه العالم بإصرارهم واتحادهم ونجاحهم في الإطاحة بنظام حكم قوي، وتُبيّن دعوة المتظاهرين البريطانيين إلى تحويل ميدان ترافلجار أن الصراعات في الشرق الأوسط وتلك التي تكتسب زخماً في بريطانيا تتصل ببعضها اتصالاً وثيقاً. 


كل من الحركات هنا وهناك هي عبارة عن أغلبية مستضعفة تتظاهر ضد مجموعات قليلة من النخب الغنية التي تتحكم في عالمنا تحكماً كثيراً ما تشوبه التحالفات الخفية، في ولاية ويسكونسن الأمريكية تظاهر الناس ضد محاولات حاكم المدينة لتحطيم الاتحادات العُمّالية وحمل المتظاهرون لافتات تحث الناس على «السير مثل المصريين» (وهي كلمات لأغنية أمريكية شهيرة).


لكن النخبة في الغرب بدلاً من أن تركّز على الاختلافات بين الغرب والشرق بينما تحاول إعادة طرح الدعم الذيمن السطحية والتبسيط أن نقول أن المظاهرات في الغرب تختلف جذرياً عن المظاهرات في الشرق الأوسط لمجرد أننا لا نحارب طغاةً مستبدين قدمته لعقود طويلة لديكتاتوريات شمال أفريقيا ليصبح فجأة تضامناً مع الثوّار، هذه النظرة التصحيحية ترى أن الثورات في الأساس هي أن الشباب في الشرق الأوسط يريد الحياة في ديمقراطيات تشبه الديمقراطيات الغربية، ويزعم الرئيس باراك أوباما أن العالم العربي يمكنه الاقتداء بالبرازيل التي تدخل في العولمة الآن وتتعاون مع الولايات المتحدة، وبالنسبة لمجلة «تايم» المظاهرات في الشرق الأوسط تدل على «حتمية التحديث» (وهو تعبير مهذّب المقصود به الاقتداء بالغرب)، تقول المجلة أن «الذي يريده المتظاهرون» أكثر من الوظائف المُرضية والخدمات العامة والأجور العادلة هو «أن يُعامَلوا كمواطنين وليس كرعية»، في حين أن نيال فرجيسون، وهو مؤرخ وأحد أهم مؤيدي فكرة التفوق الغربي، يفهم أن ما يحدث في الشرق الأوسط أكثر بكثير من مجرد رغبة في الامتثال بالغرب ويحذّر الأمريكيين ويحثّهم على الاقتداء بثورتهم هم وليس بثورات العالم العربي. 


الواقع أن هؤلاء الذين يدعون المتظاهرين في الغرب إلى النظر شرقاً معهم الحق، فالمستويات المهولة من الضعف الاجتماعي والاقتصادي التي تؤثر على الأشخاص العاديين من وسط غرب الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط لها أصول مشتركة هي تكدس الثروات والقوة في أيادٍ قليلة في أنحاء العالم، فلقد حان الوقت الآن للإستغناء عن الأسطورة التي تقول أن الرأسمالية الغربية هي الوحيدة التي يمكن أن يتعلم العالم منها الحرية وأنه علينا بدلاً منها أن ننظر إلى الشعوب التي حاربت الاستعمار في تاريخها من أجل الكرامة والعدالة، فإن كانت الإمبريالية في يوم من الأيام قد ظهرت وانتشرت عبر الخطوط العنصرية والجغرافية فهي الآن عبارة عن نظام اقتصادي عالمي يؤثر علينا جميعاً علماً بأن التأثير يتم بطرق مختلفة من سوء استغلال للعمالة ومصادرة للموارد وخصخصتها وتركيز الأرباح وترسيخ نظام مؤسسي من عدم المساواة، لقد صرخ معمر القذافي منادياً بالوحدة الليبية أمام الغرب الإمبريالي لكنه لم يخدع إلا ليبيين قلائل، فتاريخهم من التحرر غير المكتمل من الاستعمار يعلّمهم أن الشعب لا يجب أن يتخلص من مستعمر أجنبي ليأتي أمير من أبناء الوطن ليسحقه تحت أقدامه، على حد تعبير القائد الهندي غاندي. 


إنه من التبسيط والسطحية أن نفترض أن مظاهرات الغرب تختلف اختلافاً جذرياً عن مظاهرات الشرق لأن «هؤلاء» في الشرق يحاربون طغاة من النوع الدموي بينما «نحن» في الغرب نعيش في ديمقراطيات ليبرالية، وبدون محاولات للتعتيم على الاختلافات السياسية الحقيقية دعونا نفكر في المشتركات بين الاستبداد العلني في الأنظمة العربية وبين سلوكيات السياسيين عندنا، ففي حين أن الديمقراطيات أليفة المظهر عندنا تعطينا صناديق الاقتراع يذهب الممثلون المنتخبون بعد ذلك ليفعلوا ما يشاءون متجاهلين المظاهرات الحاشدة ويعملون ضد المصلحة العامة مستخدمين في ذلك الأكاذيب ونشر حالة الهستيريا عند اللزوم (الأمثلة على ذلك تشمل أسلحة الدمار الشامل والقول بأننا لا نملك الموارد وأننا «مفلسون»)، وكما يقول ريتشارد ليتمان الذي يكتب في موقع تروثآوت (Truthout) الديمقراطيات التي يتم «إدارتها» تستطيع أن تتجنب مظهر القمع بينما تقوم فعلياً وموضوعياً بـ «إنهاء الديمقراطية»، فمن الممكن جداً أن يتم تحطيم الطلبات الجماعية ودفع الملايين من الناس نحو البطالة وحرمانهم من الأجور العادلة مع الالتزام في نفس الوقت بلغة الديمقراطية وصورتها ومع غياب لروحها الحقيقية. 


كل من الديمقراطية الرأسمالية والديكتاتورية يستخدم الوسائل السياسية لتركيز الثروة والنفوذ والامتيازات، ففيوكما يقول ريتشارد ليتمان الذي يكتب في موقع تروثآوت (Truthout) الديمقراطيات التي يتم «إدارتها» تستطيع أن تتجنب مظهر القمع بينما تقوم فعلياً وموضوعياً بـ «إنهاء الديمقراطية»، فمن الممكن جداً أن يتم تحطيم الطلبات الجماعية ودفع الملايين من الناس نحو البطالة وحرمانهم من الأجور العادلة مع الالتزام في نفس الوقت بلغة الديمقراطية وصورتها ومع غياب لروحها الحقيقية.  بريطانيا وأمريكا يتم مهاجمة حق اتحادات العُمّال في محاربة قوة ونفوذ الشركات العملاقة محاربة جماعية وهي الوسيلة الوحيدة الفعالة في محاربة تلك الشركات، في بريطانيا تستخدم الدولة أساليب تشويه السمعة والقوة الغاشمة والعقوبات المُبالغ فيها لتحتوي المظاهرات الحاشدة وتتكلم عن إعتبار الوسائل السلمية إلى وسائل غير شرعية، وفي الولايات المتحدة تم تهديد نوّاب الشعب الديمقراطيين الذين قاوموا التشريعات المضادة لاتحادات العُمّال بالاعتقال علماً بأن تلك التشريعات صدرت رغم كل شيء، وشهدت بريطانيا تنفيذاً سريعاً لسياسات تدمّر الخدمات العامة بدون تفويض واضح في حين أن الحريات المدنية تتقلص باستمرار ومظاهر عدم المساواة تزداد، فإن كان القذافي قد صرخ «إمبريالية» عندما تعكّرت الأجواء فالسياسيون عندنا أعجبتهم فكرة التنديد بـ «التعددية الثقافية»، والشيء الذي يجمع بين النخبة الحاكمة في بريطانيا وفي البحرين هو الأولوية التي يعطونها لحقوق القلّة على حساب الكثرة متجسدةً في صورة صفقات تجارية مراوغة ومريبة.


فكرة أن كل الشباب العربي لا يريد إلا انتخابات حرة ليست صحيحة، هذا الجيل يسعى إلى استرداد الحرية الكاملة من الاستعمار، تلك الحرية التي لم تكن يوماً تتعلق بمجرد التخلص من حكم الغرب أو، كما يقول باستعلاء كاتب موقع النيو ريبابليك ليون وايزلتير، بأن العرب «ضحية» الغرب، فالثورات العربية تنبع من رؤية أساسية مضادة للاستعمار تسعى أيضاً إلى التحرر من النماذج القائمة في السلطة والنفوذ والامتيازات، أو كما يقول جريج جراندين عن ثورات أمريكا اللاتينية «حتى يكون المجتمع ديمقراطياً يجب أيضاً أن يكون عادلاً».


من أجل أن يتحول ترافلجار إلى التحرير وأن نشترك في هذه الرؤية ونتحقق بملكية مجتمعاتنا يجب أن نتحد مع الثوّار العرب ضد القوة والامتيازات المطلقة للشركات العملاقة حيثما ظهرت، المسألة لا تتتعلق بنا «نحن» في الغرب في مقابل «هؤلاء» في الشرق الأوسط، لكنها تتعلق بالصدام الأساسي بين همجية وبطش حكم الأثرياء الاقتصادي وبين حضارة العدالة الاجتماعية.

بريامفادا جوبال هي محاضرة في كلية اللغة الإنجليزية في جامعة كامبريدج. 

أقرأ المزيد لـ:  بريامفادا جوبال

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم