الاربعاء، ٢٢ فبراير، ٢٠١٧ 

العالم

الدمج وليس الأيديولوجيات – مذابح تولوز لا علاقة لها بالإسلام

جي سورمون

 

اجتذبت الأيديولوجيات المتشددة الأشخاص الباحثين عن تفسيرات بسيطة لعالم شديد التعقيد


عقب مقتل سبعة مواطنين فرنسيين (أربعة يهود ومسلمين وشخص إفريقي) بلا رحمة ولا هوادة على يد إسلامي متطرف في مدينتي تولوز ومونتوبان جنوبي فرنسا من الممكن أن تستنتج أن الإرهاب باسم الإسلام الذي ترعرع على أرض الوطن أصبح تهديدًا كبيرًا يجتاح أوروبا، وأن العنصرية ومعاداة السامية تظلان متغلغلتان في فرنسا.  ففي نهاية المطاف لم يكن الجاني سوى مواطن فرنسي من أصل عربي. وقد يؤدي ذلك بنا إلى شرح للحقائق دون أن يساعدنا بالضرورة على فهمها.  


حدثت المذابح في خضم حملة الرئاسة الفرنسية، ولم يأل المرشحون جهدًا في محاولة ربطها ببرامجهم، فعلى ناحية أقصى اليمين  رأت مارين لو بين  ضرورة وقف جميع أشكال الهجرة الجديدة علاوة على طرد جميع المهاجرينواقع الأمر إذن أن المأساة تفوق السياسات الحزبية.  كما أن لها مغزى  يتجاوز التوجه الإسلامي أو معاداة السامية.  فالقتل يذكرنا بالأثر التخريبي للأيديولوجية على العقول الضعيفة، الذين ارتكبوا جرائم مع تجريد جميع المواطنين الذين لديهم سجل جنائي من جنسيتهم الفرنسية، أما على أقصى اليسار فقد ادعى المرشحون أن الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي يتحمل مسؤولية تعزيز الكراهية العنصرية وهو الاتهام  العبثي إذ وُجه إلى أول رئيس لدولة فرنسا يعين مواطنين فرنسيين من أصول عربية وأفريقية في مناصب وزارية عليا.  أما بالنسبة لساركوزي نفسه فقد تباهى بالتزامه القوي بالأمن دون أن يفسر كيف تمكن القاتل من تنفيذ جرائمه حتى مع علم الشرطة بالتهديد الذي كان يمثله. 


واقع الأمر إذن أن المأساة تفوق السياسات الحزبية.  كما أن لها مغزى  يتجاوز التوجه الإسلامي أو معاداة السامية.  فالقتل يذكرنا بالأثر التخريبي للأيديولوجية على العقول الضعيفة، إذ طالما اجتذبت الأيديولوجيات المتشددة الأشخاص الباحثين عن تفسيرات بسيطة لعالم شديد التعقيد. وعلى حد رؤية المفكر كارل بوبر فإن الأيديولوجية عبارة عن بديل للتفكير إذ تقدم مفتاحًا يفتح جميع الأبواب.  العقول البسيطة تجتذبها الأيديولوجية، وأولئك الذين يميلون نحو العنف يستغلونها لتبرير أفعالهم.


ففي مفاوضاته الأخيرة مع قوات الشرطة فسر القاتل محمد مراح أنه كان يقاوم في سبيل قضية عليا ألا وهي الانتقام للأفغان لتدخل القوات العسكرية الفرنسية (ضمن قوات حلف شمال الأطلسي) في أفغانستان،  والانتقام للفلسطينيين من دعم فرنسا لإسرائيل.  وهكذا تمكن القاتل المجهز بأيديولوجية بسيطة من إقناع نفسه بأنه كان على حق في حين كان الآخرون جميعهم تقريبًا على باطل.  ولا يختلف التشدد الإسلامي  كثيراً في تصرفاته  عن الأيديولوجيات الأخرى، فالبلشفية والماوية وحكم الإرهاب الذي ساد فرنسا في ١٧٩٣ كل هذه الأيديولوجيات وغيرها قدمت تفسيرات بسيطة للطريقة التي يجب على العالم أن يسير وفقًا لها، كما أضفت الصبغة الشرعية على القوة الغاشمة. أما التشدد الإسلامي فينتمي إلى هذا التاريخ الطويل أكثر من انتمائه إلى تاريخ الديانة الإسلامية.  قد تتغير الظروف أو الخطاب ولكن  الدافع   لجميع الأيديولوجيات  يظل أبدي. 


كما لا يمكن تفسير حوادث القتل في تولوز ومونتوبان فقط بالاستشهاد بالعنصرية ومعادة السامية في فرنسا.وهكذا تمكن القاتل المجهز بأيديولوجية بسيطة من إقناع نفسه بأنه كان على حق في حين كان الآخرون جميعهم تقريبًا على باطل.  ولا يختلف التشدد الإسلامي  كثيراً في تصرفاته  عن الأيديولوجيات الأخرى،  فالفرنسيون ليسوا أكثر عنصرية من غيرهم في المجتمعات الغربية الأخرى، هذا ونجد أن معاداة السامية أقل تغلغلًا عما كانت عليه من قبل في الجيل الماضي. فأثناء نشأتي في فرنسا في خمسينيات القرن الماضي كانت معاداة السامية من الأمور العادية.  ولكنها أصبحت الآن غير مقبولة وتكاد تكون نادرة.  وقد قالها القاتل واضحة وصريحة إنه كان يهاجم فرنسا ذاتها.  وقد انتقى ضحاياه بناء على خلفيتهم الحضارية وانتمائهم العرقي وديانتهم بغية تنقية المجتمع الفرنسي.


ولكن الأمر الجديد الذي أدهشني في أعقاب حوادث القتل كان رد فعل المجتمع الفرنسي.  فقد خصص المدرسون في جميع المدارس الفرنسية نصف يوم لمناقشة ما حدث ومغزاه وذلك بناء على اقتراح من الحكومة.  وكانت النتيجة توافقًا نادرًا بين أمتنا التي تتسم عادة بالانقسام إذ اتفق الجميع حول الامتناع عن إدانة المسلمين أو المهاجرين بل  ووجهوا الإدانة إلى العنصرية.  تفحص الأطفال الفرنسيون الذين ينحدرون من أصول متنوعة بعضهم البعض بشكل أعمق واكتشفوا اختلافاتهم بل وربما أدركوا أن أي واحد منهم كان من الممكن أن يكون الضحية.  وقد تكون المناقشة التي دارت حول حوادث القتل لا حوادث القتل في حد ذاتها هي النقطة الفاصلة بالنسبة لهؤلاء الطلاب الناشئين. 


فرنسا لم تعد فرنسية الصبغة كما كانت ولكنها تظل جمهورية الطبع بشدة.  فقد اتفق جميع مرشحو الرئاسة (بما فيهم مرشحي الجبهة الوطنية) على حتمية الحفاظ على سياسة "دمج" المهاجرين الجدد وتعزيزها داخل الجمهورية الفرنسية العلمانية – حيث يعتبر التنوع الثقافي مسألة خاصة وأن الحقوق تنسحب على الأفراد فقط لا على المجموعات أو المجتمعات المحلية. وهذا هو نقيض نموذج "التكاتف المجتمعي" (communitarian) السائد في بريطانيا وهولندا الذي يعطي الحقوق إلى مجموعات أو مجتمعات محددة ذاتيًا، فالسياسة الفرنسية تلقى قبولًا واسع النطاق من جانب المواطنين والمهاجرين على حد سواء.  ومن المتوقع أن تؤدي مأساة تولوز ومونتوبان إلى المزيد من الدمج لا إلى تراجعه – وهو ما ينفر منه الإسلاميون المتشددون بالتحديد.  

 جي سورمون  هو خبير في الاقتصاد و الفلسفة  و مقيم في باريس. بين الكتب التي قام بكتابنها مؤخرا، "اطفال الرفاع"، "بحثا عن الإسلام الحديث" و "الاقتصاد لا يكذب"

أقرأ المزيد لـ:  جي سورمون

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم