الأربعاء، ٢٣ أغسطس، ٢٠١٧ 

رأى الجريده

التدني

ميدان مصر

إذا نظرنا إلى الساحة المصرية بلا شك سنجد عدداً وفيراً من القضايا الهامة والحاسمة والموضوعية التي يمكننا أن نعلق عليها وأن نكتب عنها، وسوف نفعل ذلك في أعداد قادمة. إلا أننا اخترنا في أول ملحق لجريدة ميدان مصر  أن نأخذ خطوة إلى الوراء حتى ننظر للساحة كلها من بُعد لكي لا نركز على ما يفرقنا، بل نركز على قضية يجب أن توحدنا جميعاً وتذكرنا أن هناك أموراً يجب أن تسمو فوق خلافاتنا الضيقة وأن علينا أن نتوحد كمصريين.

 

إنها قضية نهر النيل والاستهتار التام الذي تم التعامل به مع نبع الحياة هذا وإدارته وصونه. ودون الدخول في سيل من الكليشيهات عن أهمية النيل، يكفى القول بأنه «إذا ما ذهب النيل ذهبت مصر». لم يقتصر الأمر على أن الإدارة الخاصة بمورد النيل والتعامل معه كانت مهزلة، بل إن علاقة مصر بالدول الإفريقية في حوض النيل – إذ ما صح وصفها على هذا النحو – كانت نموذجاً للإهمال الهدام. إن ثراء الموارد الطبيعية والحاجة للخبرات، والمصالح المشتركة الحقيقية والمتأصلة (على عكس المصالح المصطنعة التي يختلقها الغرب في أحيان كثيرة) يجب أن يدفع بدول حوض النيل إلى مركز الاهتمام الأول بالنسبة لمصر، لتكون الغاية المستهدفة لسياسة نشطة للعمل مع هذه الدول وتنمية تعاون عميق ومتبادل، وبناء علاقات استراتيجية نشطة معها. لقد كنا مشغولين بلعب أدوار تافهة للغرب في حين كان بإمكاننا أن نبني في فنائنا الخلفي مركز قوة إفريقي إقليمي بقيادة ونفوذ مصري متميز يمكن أن يوفر الغذاء والصناعات والوظائف والطاقة البديلة والوقود والمياه والقوة المستقلة. وأجمل ما في الأمر أن حلول قضايا حوض النيل، على عكس أغلب القضايا التي تواجهنا، سوف تعود بالفائدة على كافة الأطراف المعنية. 

 

كتب مقالات هذا الملحق مجموعة من الشباب المصريين المفعمين بالحماس والأوفياء لبلدهم، و تستعرض المقالات العديد من القضايا الخاصة المتعلقة بالنيل – إلا أن كل مقال يتعامل مع الموضوع الخاص به من منظور شامل وببصيرة متعمقة ساعياً بشكل دائم لإيجاد حلاً مفيداً لكافة دول حوض النيل. أهم خطوة لا بد من اتخاذها على الفور هي تعيين «قيصر» للنيل، وليس مطلوب تكوين وزارة  جديدة تضيف المزيد من المستويات والأعباء البيروقراطية، على أن يكون هذا الشخص في مرتبة الوزير، وتكون عليه مسئوليات وله سلطات وميزانية، والأهم من ذلك أن تكون لديه نظرة استراتيجية واسعة وشاملة، والقدرة على التنسيق بين جهات الحكومة المصرية بالنسبة للنيل (من مياه وري وسياسة خارجية ودفاع). بدون هذه الخطوة سنظل نعاني من التنافس الداخلي بين الوزارات والأجندات المتناقضة ويكون الضحية في النهاية هو النيل والمواطن المصري. وهذا لا يعني أن المسئولية تقع على الحكومة وحدها لحل مشاكل النيل ولكن علينا نحن كذلك وعلى كل فرد أن يتحمل الجزء الخاص به من المسئولية وأن يقوم بدوره وأن يبرهن حبه لمصر بمحافظته على هبة النيل العظيمة. 

 

يبدو أن لدينا طاقة غير محدودة في إظهار غيرة على الوطن وغضب ووطنية كلما تعلق الأمر بقوة أجنبية، ولكن أين هذه الغيرة على الوطن وهذا الغضب وهذه الوطنية عندما يؤذي المصريون بعضهم البعض؟ أين صرخة الغضب من الحالة الفوضوية للنيل ومن الحالة المزرية للرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والفساد ومن انعدام ملاحقة عادلة لمن ارتكبوا جرائم القتل أثناء ثورة ٢٥ يناير؟ يجب أن نتوقع أن يحاول الأجانب إلحاق الأذى بنا فذلك من مصلحتهم، لكن يجب علينا أن ننتفض عندما يسىء المصري معاملة مصري آخر أو يسرق منه أو يظلمه أو يسىء إلى نهر النيل وهو شريان حياتنا. هذه المعاملة هي المهزلة؛ وهذا هو الفشل. 

 

سئمت من هذه الرداءة كما سئمتم وسئمنا جميعاً منها ومن هذا السلوك الضعيف. وفي حين أن هناك عدداً من القضايا التي قد تفرقنا، وتفرقنا فعلاً، بالتأكيد هناك قضايا يمكن أن توحدنا، توحد اليساري واليميني والمتدين والعلماني والإشتراكي والفلاح والعامل والغني والفقير. هناك قضايا تتجاوز كل هذه الخلافات وتذكرنا للأبد أننا مصريون، دعونا نتصرف بالفخر والاعتزاز الذي يليق بنا. لقد سالت الدماء وفقد الكثيرون حياتهم. كفى لهذه المنازعة ولهذه الرداءة المعوقة التي يبدو أنها تحاصرنا والتي يتسم بها الكثير من أعمالنا ومناقشاتنا. 

 

وهذه ليست نظرة رومانسية خرافية لمصر. فنحن عندنا مشاكل عديدة حقيقية تسبب اختلافات، وأحياناً يكون من الصعب حلها، لكن دعونا في كل تصرف من تصرفاتنا نتوقف للحظة ونفكر «أهكذا نكون عظماء؟» «أهكذا يكون تصرف الشعوب العظيمة» في كل الأعمال صغيرة كانت أم كبيرة  من احترام إشارة المرور، لاحترام الطابور، للعمل على مساعدة الغير ولو مرة واحدة فقط في اليوم، بالإضافة إلى احترام كل إمرأة – عفواً فهذا غير صحيح – بل احترام كل إنسان، وكذلك قول الصدق والدأب والحلم والاهتمام بالغير. وأن نقول «لم لا» ولا نسأل «لم؟» أترى ذلك صعباً؟ حاول، مرة واحدة فقط في اليوم. وما أدرانا؟! قد تنتشر العدوى. تخيل حال البلد لو أن كل واحد منا فعل هذا كل يوم. أسيكون العبء ثقيلاً لهذه الدرجة!

 

دعونا نظهر العظمة التي ستصل بهذه الأمة إلى وضعها ومكانتها المستحقة لنكون جديرين بإرث النيل الأسطوري. نحن نبحث عن مشروع قومي ليوحدنا وقد يكون هذا المشروع هو الذي يجري تحت أقدامنا ليل نهار. إن الموضوع بسيط في حقيقة الأمر: إذا لم ننقذ نهر النيل سيصبح كل ما نناقشه ونتجادل حوله ونتعارك عليه بلا جدوى. هناك أشياء كثيرة في تاريخنا نبعت من النيل ذات يوم. فلندع عظمتنا كمصريين يكون منبعها مرة أخرى هذا النهر العظيم. ولنتذكر من نحن، نحن مصريون.