الثلاثاء، ٢٣ مايو، ٢٠١٧ 

رأى الجريده

الدستور

ميدان مصر

  خلافًا لعادتنا في الأعداد السابقة،  فقد أفردنا العدد الحالي من جريدة ميدان مصر bit.ly/readerara لمناقشة الدستور. وكما هو معروف وثابت فإن الدستور - أي الاتفاق المبرم بين الحاكم والمحكوم - هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وبدونها قد نقع من جديد فريسة هوى الأفراد وعشوائية الحكام. فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم به لهذه الأمة العظيمة. إن نجاح الدستور لا يقوم على ما يتسم به نصه من حكمة ونزاهة فحسب، بل أهم من ذلك، فهو يعتمد على المشاركة العريضة لجموع المصريين، عن وعي وإدراك في صياغة الدستور والعمل به. لقد دار – وما زال يدور- كثير من الجدل حول الدستور في أجواء يسودها الفراغ السياسي.

 

 

ولكي نفهم الأمور على وجهها الصحيح ونبني اختياراتنا على أساس من العلم فيما يتصل بقضايا تتضمن اختيار الأسلوب الأمثل لصياغة الدستور، ووضع الجيش فيه، وما إذا كنا نرغب في نظام برلماني أم رئاسي، والحقوق والضمانات التي يتعين أن يضمنها الدستور، وموقع الدين في الدستور، وغير ذلك من موضوعات أخرى شتى، فلابد في البداية أن نتعرف على تاريخ تلك القضايا، وأن نتعلم من أخطائنا ومن النجاحات التي حققتها بلدان أخرى مرت بظروف مشابهة. لابد أن نستفيد من تجارب الآخرين وخبراتهم، وأن نأخذ بالأفضل ونهمل الأسوأ. والأهم من ذلك كله أن نقوم بتقييم كل ما يُطرح علينا بعين ناقدة مطلعة. 

 

 

من أجل ذلك، حاولنا جاهدين في هذا العدد أن نقدم لقرائنا عرضًا شاملاً لكثير من القضايا الحيوية المثارة حاليًا بأسلوب يتسم بالعمق والثراء. وعلاوة على ذلك، قد قمنا بانتقاء مجموعة من الآراء لخبراء في هذا الشأن من أمثال: الدكتور أحمد القشيري؛ الذي يناقش دور المحكمة الدستورية العليا، والسيد بارتلوميي نووتارسكي، أحد كتّاب الدستور البولندي؛ الذي يناقش الدروس المستفادة من تجربة كتابة الدستور في بولندا ما بعد الشيوعية. ويجدر بنا القول إنه إذا تشكلت لدينا، نحن المواطنين، خلفية شاملة مبنية على دراية بالتفاصيل المختلفة التي تحكم عملية تكوّن الدستور، فإننا بلا شك سنكون قادرين على المشاركة في الجدل الدائر حول الدستور عن معرفة وإدراك، كما سنكون قادرين على تقييم جميع الأفكار المطروحة من خلال مقارنة مزاياها النسبية. وفي النهاية، سوف نضمن أن يكون الدستور انعكاسًا حقيقيًا لما نطمح إليه كمواطنين. تتضمن الأقسام التي قمنا بتغطيتها ما يلي:

 

 

ما هو الدستور؟ العناصر الأساسية والاختيارية التي تتألف منها الدساتير، عرض لعملية صناعة الدستور، تاريخ الدستور المصري، الدين والدستور، الحقوق والضمانات، مبادئ التشريع فوق الدستوري، المحكمة الدستورية العليا، الجيش والدستور، العدالة الانتقالية.

 

 

كما أوردنا نماذج لتجارب دستورية من بلدان عدة، تتضمن إندونيسيا، والأرجنتين، ولبنان، وفرنسا، وجنوب إفريقيا، وباكستان، وتركيا، وألمانيا، والولايات المتحدة، بل أضفنا عرضًا لثورة فرعونية شبيهة بثورة الخامس والعشرين من يناير قامت منذ 4000 عام على أرض مصر، وأردنا بذلك أن نقول إن هذه ليست هي المرة الأولى، بل لقد سبقنا المصريون القدامى بذلك!

 

 

وفي النهاية، لا يسعنا سوى القول بأنه على الرغم من أن ما قمنا بعرضه لم يتطرق لكل الموضوعات بشكل شامل، فإنا نأمل بحق أن نكون قد أسهمنا في إثراء النقاش حول الدستور والدفع بمزيد من مشاركة المصريين في عملية صياغة واحدة من أهم الوثائق التأسيسية؛ وهي وثيقة دستورنا المصري.

 

 

ولكن حتى لو كان عندنا دستوراً عظيماً  فهذا غير كافٍ، فبدون دستور، لدينا فرصة ضئيلة جداً لبناء مجتمع  نطمح اليه قائم على الحقوق العادلة ، ولكن حتى في وجود دستور عظيم مثلما هو موجود في بعض الدول ذات الأنظمة الأكثر إستبدادية في العالم، فذلك لا يشكل ضمانة تلقائية على الإطلاق  للوصول الي مجتمع عادل ونزيه و ناجح. الضمانة الوحيدة لذلك هي أن كل واحد منا يجعل من الدستور أكثر من مخطوطة توضع في المتحف، وان نجعله جزءا حيا من حياتنا اليومية.

 

 

فعن طريق جعل الالتزامات والحقوق والمسؤوليات المبينة فيه ليس فقط النقطة المرجعية الأساسية في إدارة علاقتنا مع الحكومة و لكن مصدر معرفتنا و الفتنا مع الدستور، وإصرارنا المطلق على تطبيقه بشكل موحد في كل بنوده  فبذلك  سيصبح  مصدر قوتنا وضمانتنا  بأننا لن نكون أبدا مرة أخرى عرضة للانتهاكات المتكررة والجسيمة لحقوقنا. وعندئذ فقط سيصبح الدستور كما ينبغي أن يكون مؤكداً سيادة الشعب.  و هذا بامكاننا نحن الشعب،. لذلك فكل واحد منا  مسئول عن بذل مزيد من الجهد من اجل المزيد من المعرفة، والمشاركة، وجعل الدستور إطار فكري، وليس مجرد وثيقة مكتوبة بشكل جيد وأنيق، و يحتفل به في الذكرى السنوية لكن لا يلعب دوراً ملموساً في تحسين حياتنا.  فكما أعرب القاضي ليرند هانز بحكمة،  «كثيرا ما كنت أتساءل عما إذا كنّا لا نضع آمالنا بشكل كبير على الدساتير، وعلى القوانين وعلى المحاكم. هذه هي آمال كاذبة ... فالحرية تكمن في قلوب الرجال والنساء، وعندما تموت هناك، لا يمكن لدستور ولا لقانون ولا لمحكمة إحيائها ، فلا دستور، ولا قانون،  و لا محكمة  يمكنهم القيام بالكثير للمساعدة في ذلك. فعندما تكمن الحرية في القلوب فإنها لا تحتاج إلى دستور، ولاقانون، و لامحكمة للحفاظ عليها».