الثلاثاء، ٢٥ يوليه، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

اقتصاد مصر المخيف

تاي مكورميك   و  عديل مالك

على الجماعة أن تخلص مصر من مصادر عدم الفعالية التي تشل حركتها إذا أرادت أن تكون منافساً سياسياً جاداً في المستقبل، وعليها أيضاً ألا تنفر دوائرها الانتخابية الأساسية إذا أرادت أن تكون قوة سياسية اليوم. وأقل ما يقال هو أن الإخوان في ورطة لا يُحسدون عليها.


من السهل أن يتشتت انتباهك بالمعركة السياسية حامية الوطيس التي تدور رحاها في مصر. ولكن الكفاح من أجل مصر ما بعد الثورة ليست لعبة "جبناء" - ملاحظة من المترجمة: لعبة الجبناء هي عبارة عن لعبة يفضل كل لاعب فيها ألا يتنازل أمام اللاعب الآخر، ويطلق على من يتنازل "جبان".- سياسية محفوفة بأخطار كثيرة بقدر ما هي ماراثون اقتصادي ليس له خط نهاية واضح. 

لقد اعتنق الإخوان المسلمون - حتى الآن - نهجاً عملياً، فقد تخلوا عن جميع التدابير المثيرة للجدل التي قد تخيف المستثمرين. وفي الواقع، إذا كان في خطاب الإخوان قول مأثور، فيبدو أنه: "لا تقلقوا؛ فنحن لن نغير أي شيء بين ليلة وضحاها". 


ولتلبية توقعات الشعب المرتفعة على نحو مفهوم، سيتطلب ذلك إحداث توازن بين الأهداف الاقتصادية على المديين القصير والطويل، مع العمل بالتزامن على شق طريق عبر جميع أنواع الحقوق المكتسبة – بما فيها حقوق الإخوان – التي أبقت الاقتصاد المصري غارقاً حتى الآن في وحل عدم الفعالية. وهذا طلب صعب من منظمة اشتهر خطابها الاقتصادي بأنه فارغ المضمون. فماذا علينا أن نتوقع؟


لقد اعتنق الإخوان المسلمون - حتى الآن - نهجاً عملياً، فقد تخلوا عن جميع التدابير المثيرة للجدل التي قد تخيف المستثمرين. وفي الواقع، إذا كان في خطاب الإخوان قول مأثور، فيبدو أنه: "لا تقلقوا؛ فنحن لن نغير أي شيء بين ليلة وضحاها". وبالفعل، لم يألُ مسئولو الإخوان جهداً ليتفادوا إثارة أي مخاوف من التأميم، ووعدوا بعدم فرض أي قيود على السياحة، أو الاستثمار الأجنبي المباشر، أو القطاع المصرفي. كما أشاروا أيضاً إلى أنهم مستعدون لعقد صفقة مع صندوق النقد الدولي – علماً بأن قناة بلومبرج بثت تقارير تفيد بأن هذه الصفقة قد لا تتم قبل عام ٢٠١٣.


وهكذا، هناك مخاوف محدودة من أن يتخلى الإخوان عن الطرق السائدة في أداء الأعمال. ومن الناحية الأيديولوجية، اتجه الإخوان نحو الاقتصاد الإسلامي بوصفه حلاً وسطاً بين أيديولويجة السوق الحرة ونظم القيادة والسيطرة. ومن الناحية العملية، كان معنى ذلك استيعاب جميع الأهداف البارزة المتمثلة في النمو، وتحرير السوق، واحترام حقوق الملكية، مع التخفيف من حدتها من خلال التأكيد على الأعمال الخيرية والعدالة الاجتماعية. ويظل السؤال الكبير: هل يستطيع الإخوان أن يترجموا خطابهم إلى أفعال ملموسة من الممكن أن تحدث تغييراً حقيقياً في حياة المصريين العاديين؟ إن تأييد ضريبة الدخل التصاعدية وإعادة هيكلة الدعم أمر، وتنفيذهما أمر آخر تماماً.


ويرى البعض أن أحد أكثر الموضوعات الشائكة على جدول الأعمال هو خفض الدعم على الوقود والغذاء، اللذين استهلكا تاريخياً نحو ١٠% من إجمالي الناتج المحلي وأكثر من ٢٥% من إجمالي نفقات الدولة. (تشير الأدلة المتاحة إلى أن ٩٠% من الدعم في مصر موجه إلى أعلى ٢٠% من شرائح السكان). وإذا أُريد لمصر أن تظل قادرة على الوفاء بديونها، سيتحتم على الحكومة القادمة أن تقلل من هذا النوع من الإنفاق – ربما من خلال العمل بنظام تحويلات نقدية مستهدفة (تدريجية) بتكلفة معقولة أكثر على غرار النموذج الإيراني. لكن إلغاء الدعم تحدي سياسي أكثر منه تحدياً اقتصادياً.

السؤال الكبير: هل يستطيع الإخوان أن يترجموا خطابهم إلى أفعال ملموسة من الممكن أن تحدث تغييراً حقيقياً في حياة المصريين العاديين؟ إن تأييد ضريبة الدخل التصاعدية وإعادة هيكلة الدعم أمر، وتنفيذهما أمر آخر تماماً.


وحتى إذا كان هناك اتفاق عام على أن إعادة هيكلة الدعم أمر محبذ اقتصادياً، فلن يتأتي ذلك دون تكاليف سياسية. إذ يواجه واضعو السياسات تحدياً سياسياً مشابهاً لتعزيز الجهود المرتبطة بتحصيل الضرائب، من خلال توسيع نطاقها كى تغطي أفراداً وشركات تستخدم نفوذها السياسي كي تَنْسلّ من شبكة الضرائب. وفي الوقت الحاضر، تبلغ حصيلة الضرائب في مصر ١٥% فقط من إجمالي الناتج المحلي.


ويبدو بالفعل أن الإخوان صرفوا النظر عن تنفيذ اقتطاعات في دعم الوقود بقيمة تصل إلى ٤,٤ مليار دولار أمريكي أُدرجت في موازنة هذه السنة وأُقَّرت عندما عادت السلطة التشريعية إلى الجيش. ووفقاً لصحيفة الفاينانشال تايمز، صرح أحد مسئولي الإخوان بأن الموازنة ينبغي أن يعاد النظر فيها، ووصفها بأنها محاولة "متعمدة" لإضعاف أي حكومة يقودها الإخوان. وعلى نحو مشابه، فإن خطة "المائة يوم" التي وعد فيها مرسي بتوفير الوقود والغذاء بتكلفة منخفضة على نطاق واسع توحي بعدم استعداد الإخوان لتغيير خطابهم حول الدعم.


كما يمثل القطاع غير الرسمي الضخم (وغير الخاضع للضرائب) في مصر مصدراً للفرص والأخطار، ومن الممكن أن يكون أحد العوامل المؤثرة في نجاح الإخوان سياسياً على المدى الطويل. ووفقاً لتقديرات حديثة صدرت عن صندوق النقد الدولي، يشكل القطاع غير الرسمي في مصر نحو ٣٥% من جميع الكيانات العاملة في الاقتصاد ويوظف ٤٠% تقريباً من القوة العاملة. ويرى الاقتصادي هرناندو دي سوتو (الذي قدر أصول القطاع غير الرسمي في مصر بقيمة ٢٤٠ مليار دولار أمريكي) أن هذا القطاع يمثل عقبة ضخمة أمام التنمية الاقتصادية لأن الأصول غير المسجلة في الدفاتر الرسمية لا يمكن أن تستخدم في رفع رأس المال. ويعتبر هذا القطاع الكبير دليلاً على نظام اقتصادي اعتباطي لا يمكن التنبؤ به، ومن الممكن أن يخلق بيئة عمل غير متوازنة بالنسبة إلى المشروعات الصغيرة التي يتم الدفع بها إلى القطاع غير الرسمي.


ولكن شأنه شأن الأرباح المحتملة من اقتطاعات الدعم، قد يثبت للإخوان أن الوعد بتنظيم القطاع غير الرسمي مكلف للغاية على المدى القصير مقارنة بالفوائد التي سيجنونها منه، مما قد يقصر من عمر مستقبلهم السياسي على المدى الطويل. ولا يوجد سوى قدر ضئيل من البحوث حول طبيعة العلاقة بالضبط بين الحركات الإسلامية والقطاع غير الرسمي، ولكن الأدلة المبنية على روايات الأشخاص تشير إلى أن الأطراف الفاعلة في الاقتصاد غير الخاضعة للوائح التنظيمة تشكل جزءاً من الدوائر الانتخابية المهمة بالنسبة إلى الإخوان. وفي النهاية، الفقراء هم أكثر من يعتمدون على أعمال الإخوان الخيرية التي لا حصر لها. ومع ذلك، فالدعم السياسي من هذا القطاع غير مضمون ومن الممكن أن يُسحب بسهولة إذا تُرجمت سياسات الإخوان في شكل ضرائب أكثر وعوائد أقل.

ووفقاً لتقديرات حديثة صدرت عن صندوق النقد الدولي، يشكل القطاع غير الرسمي في مصر نحو ٣٥% من جميع الكيانات العاملة في الاقتصاد ويوظف ٤٠% تقريباً من القوة العاملة. قدر الاقتصادي هرناندو دي سوتو أصول القطاع غير الرسمي في مصر بقيمة ٢٤٠ مليار دولار أمريكي.
وتؤكد هذه المآزق صعوبة موقف الإخوان، لأن على الجماعة أن تخلص مصر من مصادر عدم الفعالية التي تشل حركتها إذا أرادت أن تكون منافساً سياسياً جاداً في المستقبل، وعليها أيضاً ألا تنفر دوائرها الانتخابية الأساسية إذا أرادت أن تكون قوة سياسية اليوم. وأقل ما يقال هو أن الإخوان في ورطة لا يُحسدون عليها. لكن جزءاً من التحول من منظمة للخدمات الاجتماعية – كما كانت جماعة الإخوان خلال معظم الأربع والثمانين سنة منذ إنشائها – إلى حزب سياسي حاكم يتطلب التفكير في التبعات طويلة المدى للسياسات، وهو درس تعلمته جارة الإخوان الأيديولوجية والجغرافية "حماس" بالطريقة الصعبة. فإذا لم يستطع مرسي أن ينظم الموارد المالية للدولة ويبدأ في تنشيط الاقتصاد، الذي نما بنسبة لا تذكر بلغت ١,٨% في عام ٢٠١١، فإن اعتماده المستمر على الدعم واسترضاء القطاع غير الرسمي سيجعل شعبيته شبيهة تقريباً بشعبية الحكومات السابقة التي استخدمت هذين العاملين كعكاز لها. وبعبارة أخرى، ستكون شعبية مرسي شبيهة تقريباً بشعبية مبارك.


ويوحي هذا بأن مستقبل مصر سيعتمد بدرجة أقل على ميكانيكية السياسية التي تتم على المستويات العليا، فيما سيعتمد بدرجة أكبر على جوهر السياسة الاقتصادية. وفي هذا الصدد، سيعني التوقيت كل شيء بالنسبة إلى الإخوان. فلطالما اعتمد حكام مصر ذوو القبضة الحديدية على خطاب الاستقرار؛ فالاستبداد يوفر للنشاط الاقتصادي بيئة يمكن التنبؤ بها. لذلك، عندما تقل عائدات السياحة، وتجف الاستثمارات الأجنبية، ويظل المناخ الاستثماري مشوهاً بالشكوك، فإن ذلك سيصب في صالح القوى المؤيدة للإبقاء على الوضع الراهن. ومن ثم، ينبغي على مرسي أن وقتاً أكبر في التركيز على خطته الاقتصادية، لأن أي تأخير ينبئ بانتصار الجيش وغيره من عناصر النظام القديم في النهاية.