الإثنين، ٢٥ سبتمبر، ٢٠١٧ 

الحياه

من المقدس إلى المدنس: تحولات في الصورة الذهنية والبصرية لميدان التحرير

علي عبد الرءوف

مقدمة: الثائر والثائرة والغطاء الصوفي

 

يتعامل المقال مع فرضية قوامها أن التحول في الصورة الذهنية والبصرية والوجدانية لميدان التحرير من فراغ مقدس إلى فراغ مدنس، هو مشروع متعمد وبسبق الإصرار والترصد. الهدف من هذا المشروع هو إهدار وتشتيت وتصريف الطاقة الثورية. فقد توقفت مليا أمام تفسيرين شديدي التناقض لذات الصورة الفوتوغرافية. الصورة تتضمن مجموعة من الشباب والشابات يجلسون معا على رصيف احد أبنية ميدان التحرير وقد استندوا بظهورهم على جدران المبنى، وقد تغلبت ابتسامات النضال وفرحة المقاومة على إجهاد الأجساد واستنزاف الطاقات. هذه الصورة سوقت أيام ثورة ٢٥ يناير وخاصة في أسبوعها الأخير، ثم في الأسابيع التي تلت تنحي مبارك، على أنها دليل دامغ على رقي الشعب المصري وسلوكه الإنساني المثالي حتى في وقت الأزمات. الصورة أيضا فسرت على كونها دليل على إنسانية الثوار وان وجود الجنسين معا في لحظة ثورية وطنية فارقة، وفي فضاء مقدس يستردون معا حرية فقدوها لعقود طويلة. لحظات سقطت فيها وتورات، بل واختفت كل المناقشات الشهيرة عن التحرش والهوس الجنسي وثلاثية الرجل والمرأة والشيطان.


في الأسابيع التالية وضمن فعاليات احتفاليات التنحي، ولمزيد من تأكيد الأبعاد اليوتوبية لميدان التحرير تبارى كبار الكتاب والصحفيين في مدح هؤلاء الشباب والشابات وروحهم المثالية وسلوكهم الحضاري، وبصرف النظر عن الغطاء الصوفي (البطانية) الذي امتد ليغطيهم جميعا كاشفا فقط عن وجوه سعيدة وأكتاف مرهقة. صورة قد  يندر بل قد يستحيل قبولها في سياق أخر غير سياق ميدان التحرير أثناء ثورة ٢٥ يناير. نفس هذه الصورة هي التي استخدمت لاحقا لبيان انحراف الثوار وتصويرهم كمجموعات من بلطجية المخدرات والجنس. 


هذا التناقض جعلني معنيا بآليات التحول في التصورات الذهنية والبصرية والوجدانية في ميدان التحرير من ميدان الثورة المقدس إلى ملجأ البلطجية الملوث المدنس، وبدت تتراءى أمامي بعض الإشارات الهامة:


التحول الأول: التحرير مركز الخطيئة.

ميدان التحرير هو الفضاء العام الذي احتشد به مئات الآلاف من الجماهير الثائرة، التي انضمت إلى الموجات الثورية التي اندلعت شرارتها الأولى على صفحات الـفيسبوك. وتدفق الجميع للميدان في ٢٥ يناير ٢٠١١، وهكذا تحول هذا اليوم التاريخي إلى رمز لميلاد الثورة، التي أضاءت ظلام الواقع المصري الذي ظل يعاني من التهميش وامتهان الكرامة والاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي لمدة ثلاثة عقود كاملة.


"التحرير كان أكثر أمنا من الشارع، لم نسمع عن حادث سرقة، أو تحرش بالمتظاهرات، وكان المبيت في التحرير شباب وشابات وأسر ولم يحدث شيء الكل كان أيد واحدة". فاطمة من شابات الثورة في تصريحها المنشور 


مستغلا تفتت الثوار وتردد النخبة وسذاجة العامة المنتشين برحيل الساقط مبارك، انساب الجيش المصري ممثلا في المجلس العسكري إلى السلطة واحكم قبضته الفولاذية عليها وعلى عنق البلاد عامة وعلى ميدان التحرير بصورة خاصة، وبإصرار مدروس ومتعمد، بعد أن جمل تلك القبضة وزينها وغلفها بأعلام مصر وبأكذوبة: "الجيش والشعب ايد واحدة".

 

 

التسويق البصري والذهني للجيش كحامي للثوار والكيان المتلاحم مع الشعب. 


مشاهد القبضة الفولاذية

المشهد الأول: كسر إرادة استعمال الفراغ

في أول صلاة عيد تقام بالميدان بعد تولي المجلس العسكري للسلطة، رصدنا أول ملمح لنية كسر إرادة استعمال فراغ الميدان حتى في أكثر التصرفات قداسة للمصريين وهي فعل الصلاة. بدأ المشهد المهيب مع أضواء الفجر عندما أحاطت قوات الجيش بالفراغ الأوسط أو ما يعرف بالصينية الوسطى للميدان ومنعت المصلين من الصلاة بهذه الدائرة فقط دونما باقي الميدان. رسالة لم يتوقف أمامها احد فالمجلس العسكري يقول أنا وأنا فقط أكيف لكم إمكانات استعمال فراغ ميدان التحرير. بمعنى أخر مهما كانت قوة الميدان وشرعيته فإنها تتوقف أمام قبضة المجلس العسكري ودائرة جنوده المتراصة كتفا لكتف حول مركز الميدان لإعلان كسر الإرادة.

 

قوات الجيش المصري أيام حكم المجلس العسكري تفرض إرادتها على فراغ الميدان وتمنع الصلاة في حيزه الأوسط.


المشهد الثاني: معاقبة الأحياء والجماد أيضا !!

بعد تهيئة الرأي العام بالحديث عن الثوار المدمنين والمنحلين بل والمثليين، هجمت قوات الجيش المصري هجوما مروعا على ميدان التحرير، وتم ضرب وقتل الثوار والمعتصمين وسحلت فتاة العباءة السوداء الشهيرة وجرجرت الجثث من فروات الشعر وقذفت بجانب صناديق القمامة. الأكثر إثارة أن الجنود لم يكتفوا بمعاقبة الثوار بل حرقوا الخيام ثم انقضوا على إي كيان مادي بالميدان بما في ذلك الأشجار ومناضد الطعام وأكشاك الشاي وحتى الدراجات البخارية. وهناك مقطع وثائقي بالفيديو يسجل لحظة التفاف مجموعة من الجنود على دراجة بخارية لا يوجد حولها إي إنسان ويضربونها بقسوة بالعصي وكعوب البنادق ثم وصل المشهد السريالي إلى ذروته عندما أشعلوا النار في الدراجة وعلى وجوه الجنود ابتسامات بها مزيج من الحيرة والفرحة والجنون الصامت.

 http://www.youtube.com/watch?v=fF8SwqlWlqk.

 

المشاهد المروعة التي تبارى إعلاميين ونخب وقيادات بالجيش على لوم الفتاة الضحية على سلوكها، وشكر الجيش على سرعته في ستر الفتاة بعد تعريتها.

 

من تصوير الكاتب (© Ali A. Alraouf)


المشهد الثالث: بدايات مشروع التدنيس الفراغي والمكاني للميدان

 

من تصوير الكاتب (© Ali A. Alraouf)


بصورة منسقة وبإيقاع جماعي يثير الإعجاب تغاضى الجميع، حكومة وشعبا، عن الغزو المنظم للميدان من قبل المشردين وقطاع الطرق واللصوص والقوادين وتجار المخدرات بالتجزئة وبلطجية الشاي والقهوة، فهؤلاء جميعا مطلوبين وجنود مجهولين في رسم الصورة الذهنية التي تأمر الجميع على ترسيخها في وعي المصريين. صورة الميدان الجديدة: الميدان المدنس.


"التحرير أصبح تواليت كبير". سمير غريب.  


سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة المصرية, وهو الكاتب والناقد الذي شكل، بحكم منصبه، لجنة عام ٢٠١١ ضمت نخبة من أساتذة العمارة والعمران للتنسيق لعقد مسابقة تطوير ميدان التحرير وإعادة صياغته كميدان للثورة وللمصريين. هذا الكاتب والناقد يتحول تحولا جذريا من مناصر للميدان كقلب الثورة المقدس الذي يستحق الرعاية وإعادة الصياغة إلى أن ينقده نقدا شديد العنف والقسوة. على الصفحة الأولى من جريدة المصري اليوم  كان تصريح سمير غريب الأقسى، ولكنه الأوقع عندما وصف الميدان بأنه "تواليت كبير". وكان نص كلامه المنشور: "وقد أبلغت محافظ القاهرة بأن ميدان التحرير تحول إلى تواليت كبير". تأمل معي قسوة اللفظ والصورة وخاصة أن التواليتات والعامة منها في مصر ترتبط ذهنيا عند الناس مع أقصى درجات القذارة والتلوث ولإنسانية المكان أحيانا كثيرة. تأمل قسوة اللفظ وهو يصدر من كاتب وناقد فني شعر انه بالقطع أمام ميدان تحرير أخر.

 

من تصوير الكاتب (© Ali A. Alraouf)


المشهد الرابع: التحرير بين حقيقة الهجر ووهم الامتلاء

تعمدت كل القوى بصورة مباشرة أو غير مباشرة على إنهاء الطاقة الثورية من ميدان التحرير. أصبح الميدان خاليا يعاني من حقيقة هجره حتى في أحلك الأزمات والمواجهات. نجحت الصورة الذهنية الجديدة في الهاء المصريين عن التزامهم المقدس بالتحرير. كما نجحت النخبة في تصفية التحرير وتفتيت الجهود وتوجيه طاقات الاعتراض إلى فضاءات جديدة لا يمكن لها أن تستمر التدفقات الثورية بها أو إليها. اندفع البعض لقصر الاتحادية المقر الرسمي للرئيس المصري، وتوافد البعض على مديريات الأمن، وصعد البعض إلى أعالي المقطم، وترك الجميع التحرير خاليا مهجورا بينما القنوات الفضائية تروج وهم الامتلاء. ثم انتقلت المواجهات مرة أخرى إلى الفضاء الافتراضي وخاصة الفيسبوك بدلا من الفراغ المادي الحقيقي. أما الإعلام فقد ترك المصريين مخدرين بوهم امتلاء الميدان واستمرار الاعتصام وتزايد عدد الخيام وتدفق الثوار. لم يدرك الكثير من المثقفين والنخبة، وأيضا الثوار الدرس الأكبر في ثورة ٢٥ يناير. نعم الفيسبوك أطلق الشرارة ووحد الجهود ونشر الدعوات واحدث التواصل، ولكن الثورة هي وهي فقط الوجود المادي المكثف البطولي في ميدان التحرير. نسى الجميع أن هذا الوجود النضالي الاستثنائي لمدة ثمانية عشر يوما كاملة هو ما أرسل رسالة النهاية لمبارك ونظامه الذين ترنحوا جميعا أمام ظاهرة غير مسبوقة لمصر في العصر الحديث: الاتحاد ووحدة الهدف والنضال السلمي من اجل تحقيقه واستخدام المكان أو الفراغ العام لتجسيد هذه الظاهرة المتفردة.


المشهد الأخير: قيمة الثورة وقيمة الميدان

الكاتب والمفكر المصري سيد ياسين، أصر في مقالات سابقة نشرها أثناء حكم المجلس العسكري،  على عدم جدوى الاستمرار في التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير بدعوى أن المجلس العسكري تولى زمام القيادة ويجدر بالشباب الثوري أن يعود إلى بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم لان الثورة أصبحت في أيد أمينة. وقد شاركه في نفس الرؤية الكاتب سعد الدين إبراهيم في مقال بالمصري اليوم دعا فيه للإخلاء الفوري للميدان. إما في الأسابيع الماضية فقد عاد سيد ياسين إلى كتابة مقال جديد  يتناول فيه حالة ميدان التحرير المعاصرة واصفا إياها بالعشوائية. وبالمثل حذر فاروق جويدة الشاعر المصري المعروف في مقال أخير بالأهرام، من انه أدرك متأخرا أن من بالتحرير حاليا ليسوا من الثوار ولكنهم أطفال شوارع وبلطجية يروعون المنطقة بالمولوتوف.


ما لم تدرك القوى الثورية والنخب المثقفة والكتاب أن ميدان التحرير وفقط ميدان التحرير هو الفراغ الرسمي والشعبي والوطني والسلمي الذي يجب أن ترسل منه رسائل الثورة والرفض والتغيير، فاعتقد أنهم جميعا يسيئون، بل ويجهضون الثورة التي يتشدق الجميع بأنها مستمرة بينما ميدان التحرير ميدان الثورة خاليا من الجميع إلا ممن أعادوا تعريف البلطجة والإجرام العام. إذا كان هناك رغبة حقيقية في استمرار الثورة وفي الضغط الدائم على نظام الحكم لان ينتبه للشعب ومطالبه، وإذا كان هناك رغبة حقيقية لإظهار إرادة الشعب في صورتها الجمعية فلا بديل عن الانتماء الكامل لميدان التحرير. العودة إلى ميدان التحرير وتطهيره من المدنس واستعاده جوهره المقدس هو التحدي الحقيقي للجيل الحالي ولكل الأجيال القادمة من الثوار المصريين الوطنيين المخلصين.

 

فضاء ميدان التحرير كان الحل وسيظل دائما هو الحل لثورة مقدسة سلمية مستمرة.