الاربعاء، ٢٢ فبراير، ٢٠١٧ 

السياسه

هل بالإمكان إنقاذ ‘ماركة’ الإخوان في مصر من التسمم القاتل؟

د. عبدالوهاب الأفندي

التحولات التي وقعت في مصر مؤخراً، تهدد بأن تنجز خلال أشهر ما عجزت عنه الدعاية المضادة لعقود، وتحول العلامة الإخوانية إلى ‘ماركة سامة’ كما يقول خبراء العلاقات العامة.


كنت ما أزال طالباً في المرحلة الوسطى حين اطلعت على كتاب صدر في مصرفي الخمسينات يصف الإخوان المسلمين في مصر بأنهم ‘إخوان الشياطين’. وقد شارك في ذلك الكتاب شخصيات مصرية مرموقة، من بينها عميد الأدب العربي طه حسين وعدد من شيوخ الأزهر. وقد تابعت في السنوات التي تلت حملات شرسة ضد حركات إسلامية في السودان وسوريا (حيث ما تزال عقوبة الإعدام سارية لمجرد العضوية في جماعة الإخوان المسلمين) والجزائر وتونس وعدد من دول الخليج وغيرها. 


وفي معظم هذه الدول، أصبح قادة الحملات ضد التيار الإسلامي أمس الدارس، بينما ظلت الحركات تنمو وتزداد قوة.

ولكن التحولات التي وقعت في مصر مؤخراً، وتحديداً منذ إصدار الرئيس محمد مرسي إعلانه الدستوري في نوفمبر الماضي، تهدد بأن تنجز خلال أشهر ما عجزت عنه الدعاية المضادة لعقود، وتحول العلامة الإخوانية إلى ‘ماركة سامة’ كما يقول خبراء العلاقات العامة.

الأصل هو أن الانتماء إلى جماعة الإخوان أو أي حزب سياسي آخر، لا يجب أن يكون مسبة ومنقصة، بل بالعكس، يجب أن يكون شارة فخر يرمز أولاً إلى أن صاحبه قد خرج من محيط خدمة الذات إلى مجال الخدمة العامة، فوق أنه ألزم نفسه بقيم الدين وفضائله
فلأول مرة في تاريخها تصبح مقرات الجماعة رمزاً يثيرغضب الجماهير، وهدفاً للحرق والتدمير من قبل متظاهرين، تماماً كما أصبحت مقرات الحزب الوطني بعد الثورة. وهذا أمر لم يحدث من قبل لأي حركة إسلامية. وقد خلقت الأوضاع حالة استقطاب حاد في الشارع المصري، خاصة وأن التيارات الإسلامية تتمتع بنواة صلبة من الدعم من قبل الأنصارالمتحمسين الثابتين على ولائهم، في وقت بدأ كثير من المتعاطفين أو الواقفين على الحياد يتحولون إلى موقع العداء والتوجس.


وقد كان من اللافت أن التطورات في المرحلة الماضية أدت إلى توحد المعارضين للإخوان، رغم تناقضات الأجندات، خاصة بين أقصى اليمين الليبرالي وأقصى اليسار الراديكالي، تحت راية مقاومة دكتاتورية ‘الإخوان’ وما أصبح يعرف بمشروع ‘أخونة الدولة’. فقد منحت إجراءات مرسي القوى السياسية المصرية المتنافرة محور تلاقٍ وتوحد بعد أن كانت تعاني من التشرذم وغياب الرؤية عقب تحقق الهدف المشترك في زوال النظام الاستبدادي.


المفارقة هي أن الرئيس مرسي برر قراره بضرورات التصدي لمطالب الثورة، خاصة فيما يتعلق بتطهير المؤسسات والمحاكمة العادلة والناجزة لرموز النظام السابق والإسراع في بناء المؤسسات الديمقراطية، إضافة إلى لوازم التصدي لأزمات مصر المتراكبة، خاصة في مجالات التدهور الاقتصادي والأمني. وهذه كلها أهداف لا خلاف عليها مع المعارضين.

ولكن الخلاف نشأ من الانطباع بأن مرسي ومسانديه من الإسلاميين يرون أنهم وحدهم المنوط بهم تحقيق هذه المطالب والقادرون على ذلك. وفي هذا إشكال مزدوج، لأنه حتى لو قدر الإسلاميون على تحقيق كل هذه الأهداف وحدهم، فإن القوى السياسية الأخرى ستشعر بالتهديد من هذا النجاح، مما يدفعها لعرقلة هذه الجهود. أما إذا كان الإسلاميون عاجزين عن تحقيق مهام المرحلة بمفردهم، وهم بالتالي في حاجة لدعم الآخرين أو حيادهم على الأقل، وهو الأرجح، فإن هذا لن يتأتى ما لم تتوفر الثقة بين الأطراف.


النقطة المحورية في كل هذا هو التحول السريع في العلامة الإخوانية من شارة ترمز إلى قيادة المعارضة لنظام الاستبداد إلى شارة تميز مشروعاً استبدادياً بديلاً في طور التشكل. صحيح أن الصورة السالبة للإخوان لم تبدأ في التشكل بعد نوفمبر الماضي، وإنما تعود لعقود خلت. وقد أشرنا في بداية هذا المقال إلى حملات تعود لمنتصف الخمسينات، وقد سبقتها حملات أخرى انتهت باغتيال مؤسس الحركة الشيخ حسن البنا عام ١٩٤٩.


وخلال عقود دأب الإعلام الرسمي في مصر، وقطاعات واسعة من الإعلام غير الرسمي إضافة إلى خطاب النخبة المثقفة، إلى التشكيك في دوافع الإخوان ومشاريعهم، والتخويف مما يضمرون. وقد كانت الحركة تواجه مشكلة كبرى في الرد على إعلام رسمي ظل يسميها (ولا نقول يصفها ب) ‘المحظورة’. ذلك أن الحركة حين تكون محظورة ومحجوبة عن المنابر الإعلامية لا يسعها الرد الشافي على التهم التي تتعرض لها. وفوق ذلك فإن اي حركة ‘سرية’، حتى لو كان التغييب والإخفاء ليس سياستها، وإنما فرض عليها فرضاً، تواجه التشكيك في دوافعها ووسائلها، والتساؤل عما ‘تخفيه’ ولماذا؟
 

مهما يكن فإن حركة الإخوان في مصر تواجه أزمة كبرى تتعلق بصورتها وثقة الناس بها. ولكن ما تعرضت له الحركة خلال الأشهر القليلة الماضية من خسائر في مجال العلاقات العامة تفوق كل ما نجحت الأنظمة المتعاقبة في تحقيقه، وهي مفارقة كبرى أن تفقد حركة من سمعتها وهي في الحكم، وكنتيجة لتصرفات قياداتها، أكثر مما فقدته خلال عقود عبر الدعاية المضادة. ولكن العجب يزول لو التفتنا إلى ما وقع في السودان، وما تواجهه الحركة الإسلامية هناك من صورة سالبة ربطت بين التوجه ‘الإسلامي’ والقمع والفساد والمكيافيلية السياسية. فهنا أيضاً كانت تصرفات القيادات في السلطة أداة أكثر فاعلية في تشويه سمعة الحركات من كل الدعاية السياسية المضادة.


وهذا يطرح أسئلة أخرى حول إمكانية معالجة مثل هذه الخسارة. فمن المعروف أن تحول بعض العلامات التجارية إلى ‘ماركة سامة’ قد تجعل من المستحيل إنقاذها. على سبيل المثال اضطرت بعض دور النشر الإعلامية في بريطانيا إلى إغلاق صحف كانت تدر أرباحاً طائلة على تلك الدور بعد أن ارتبط اسمها بأسوأ ممارسات التجسس على هواتف المشاهير أو ضحايا الجرائم. وقد جاء هذا القرار نتيجة إدراك أن ما سببته الفضائح من ضرر لتلك المؤسسات من المستحيل تداركه. وفيما يتعلق بالقوى السياسية، نجد بعض الحركات، مثل الأحزاب النازية والفاشية، قد اكتسبت سمعة قاتلة لم تنسحب على تلك الأحزاب فقط، بل على كل حزب يتبنى أطروحاتها في أي زمان ومكان. وقد واجهت الأحزاب الشيوعية هذه المشكلة بدرجة أقل، حيث أن ممارسات تلك الأحزاب انعكست سلباً على أي حزب ماركسي. حتى الأحزاب الشيوعية ذات التاريخ المشرف، كما كان الحال في جنوب افريقيا، أدركها ما أدرك رصيفاتها في الدول الأخرى.


ومن عجب أن التيارات الإسلامية لم تواجه نفس الأزمة بعد تجارب ‘الأسلمة’ الإشكالية في إيران والسودان وأفغانستان، بل ازدادت قوة ونفوذاً في المنطقة، وحتى في تلك البلدان. ولعل هذا يعود من جهة إلى طبيعة الانظمة التي ظلت الحركات تواجهها، وطبيعة القوى السياسية المنافسة لها التي ظلت تفقد من الرصيد أكثر مما يفقد الإسلاميون. من جهة أخرى فإن معين التدين الذي تتغذى منه هذه الحركات ما يزال في مد، مما يجعل الصعب التكهن عما إذا كان ما تجده الحركات من دعم يعود إلى برامجها السياسية أم خطابها الديني.

العجب يزول لو التفتنا إلى ما وقع في السودان، وما تواجهه الحركة الإسلامية هناك من صورة سالبة ربطت بين التوجه ‘الإسلامي’ والقمع والفساد والمكيافيلية السياسية. فهنا أيضاً كانت تصرفات القيادات في السلطة أداة أكثر فاعلية في تشويه سمعة الحركات من كل الدعاية السياسية المضادة.
مهما يكن فإن حركة الإخوان في مصر تواجه أزمة كبرى تتعلق بصورتها وثقة الناس بها. فعندما يشتق البعض مصطلحاً مثل ‘أخونة الدولة’، وتعتبر تلك ‘تهمة’ تقارب تهمة وقوع الدولة في يد عصابات المافيا أو التنظيمات الماسونية السرية، فإن هذه تمثل إشكالية كبرى لأي حركة. فالأصل هو أن الانتماء إلى جماعة الإخوان أو أي حزب سياسي آخر، لا يجب أن يكون مسبة ومنقصة، بل بالعكس، يجب أن يكون شارة فخر يرمز أولاً إلى أن صاحبه قد خرج من محيط خدمة الذات إلى مجال الخدمة العامة، فوق أنه ألزم نفسه بقيم الدين وفضائله. ولا يجب أن يكون ذلك باباً للانتقاص من حقه كمواطن في أن يتولى المناصب العامة التي هو لها مؤهل. ولكن حين تصبح ‘الأخونة’ مسبة وخطراً يخوف منه الناس، وحين تعترف الجماعة بهذا بإكثارها من نفي ‘الأخونة’ والتنصل منها، فإن هذا يعادل الإقرار بالهزيمة في هذا المجال.


وعليه لا يكفي في هذه الحالة أن يجادل الإخوان خصومهم، ويدفعوا عن أنفسهم تهمة ‘الأخونة’، بل لا بد من معالجة جذور الإشكالية التي جعلت ‘الأخونة’ تهمة ومسبة تتبرأ الحركة منها. وهذا يتطلب خطوات علاجية حاسمة تكون بالضرورة خطوات سياسية. وبحسب رأيي المتواضع فإن هذه الخطوات يجب أن تشمل، فيما تشمل الآتي:

أولاً محاولة جادة لنزع فتيل أزمة الاستقطاب، وذلك بإعطاء تأكيدات جادة بأن الإسلاميين لا ينوون الانفراد باتخاذ القرارات المصيرية التي تحدد شكل الدولة المصرية وترسم مؤسساتها، واتباع ذلك بخطوات عملية مثل تشكيل حكومة وفاقية موسعة تجمع معظم الأطراف السياسية الفاعلة.

ثانياً، إعادة النظر في هياكل تنظيم الإخوان ومؤسساته في ظل المستجدات التي طرأت، وبالأخص سقوط الدكتاتورية ووصول الإسلاميين إلى سدة السلطة.


فالتنظيم السري الذي نشأ لمواجهة الأنظمة القمعية لا يصلح للعمل في مرحلة الديمقراطية، فضلاً عن أن يتولى الحكم فيها. ولعل الحل الأمثل هو إعادة هيكلة التنظيم بما يجعله ينصرف إلى مهمة الدعوة التي من أجلها أنشئ، مع فك الارتباط بينه وبين الحزب السياسي كما كان شأن حزب العدالة والتنمية فيالمغرب، أو الاقتصار على الحزب السياسي دون تنظيم دعوي كما هو حال حزب النهضة في تونس. وقد تكون هناك حلول خلاقة أخرى يمكن اللجوء إليها، ولكن البداية تكون بالتسليم بخطورة الوضع القائم والتصدي بجدية لتبعاته، لأن الأمر لم يعد مجرد خلاف سياسي.