الإثنين، ٢٥ سبتمبر، ٢٠١٧ 

العالم

قضية الرسوم الدنمركية سببها جهل الاسلاميين وسعيهم وراء النفعية

احمد عكاري

في عام ٢٠٠٦ ظهرت رسومات تمس النبى محمد عليه الصلاة والسلام في الدانمرك وتزعم كاتب هذه المقاله الأستاذ أحمد عكاري حملة لاثارة الناس ضد هذه الرسومات و ضد الدانمارك و سافر إلي مصر و لبنان و سوريا لهذا الغرض.  والآن تغير تفكيره نهائياً وأحس أن الإسلام والمبادىء الديمقراطيه  تحض على حرية الرأى وحرية النشر دون اللجوء إلى العنف. 

 

الدنمرك كانت محور غضب المسلمين عام ٢٠٠٦  نتيجة تصوير رسولنا الكريم في رسمات نشرت في صحيفة دنمركية.
 

حركة الاعتراض قام بها مجموعة من الاسلاميين في الدنمرك وكنت ناطقا عاما باسمهم وقت الازمة. انتشرت ثورة في العالم العربي, كنا إحدى الأسباب الرئيسية في تهييجها خلال رحلتنا الى اكثر من دولة في الشرق الاوسط، حيث تواصلنا مع الدوائر الدينية والسياسية والاجتماعية. كثير منهم وجدوا فرصة كبيرة لنشر الفكر الاسلامي من خلال الازمة.
 

على المسلمين أن يقوموا بالتصدي لوجه القتل باسم الدين، واستغلال السلطات باسم الدين، وبناء الدولة الدينية المنغلقة باسم الدين وليس في وجه رسومات على ورق لا تقتل انسانا ولا تحرم حقا.منذ ذلك الحين  مررت برحلة شخصية طويلة،  كان لدي الوقت للتفكير بما شاهدت وعايشت من أجواء وافكار اثناء الازمة وبعدها حيث كنت على تواصل يومي مع الجو الاسلامي.  فكرت طويلا بالحياة القائمة في الشرق الاوسط والتي يريدها بعضهم هناك وبالحياة التي منحتها في الدنمرك. والآن قد  صرحت وأصرح للاعلام الدنمركي والعالمي، ومتأكد أن كثيرا من الناس في العالم العربي يمكنهم الاستفادة من تجربتي ورحلتي.
وبالتالي اتوجه اليوم للاعلام في العالم العربي لاعلان رأيي محاولا تصحيح صورة بلدي الدنمرك بعد تشويهها بسبب حملة مبنية على الجهل بقيم تسامح هذه البلد، وكنت بشكل غير مباشر احد اسباب اذية الدنمرك بسببها.
 

إن عناد الدنمرك تجاه نشر الرسوم هو إعلان أهمية احترام حرية التعبيير وليس لاجل الإساءة الى دين. فيما يخص النقد الادبي والسخرية الفنية في الثقافة الدنمركية  فلا توجد نتائج جاهزة ولا حدود قائمة والدنمركيون يحبون هذا النوع من التحدي للسلطات ووضع علامات استفهام حول القوى المختلفة، سواء كانوا رموزا سياسية، فكرية أو دينية. السلطات في الدنمرك يعرفون أن هذا ما يتعرضون له عموما حينما تكون لديهم السلطة.

على المسلمين أن يقوموا بالتصدي لوجه القتل باسم الدين، واستغلال السلطات باسم الدين، وبناء الدولة الدينية المنغلقة باسم الدين وليس في وجه رسومات على ورق لا تقتل انسانا ولا تحرم حقا.

إن قيم الديمقراطية في المجتمع لا تتنفس إلا من خلال حرية التعبير ولذا لا يحق لدين أو فكر الحجر على هذه الحرية. لذا اقنتعت بأن نشر للرسوم ليس جريمة أو إدانة بل تعبير مسموح قد يصيب او يخطيء.
 

كل من وافق أو اعترض على الرسوم من السياسيين والمفكرين من ابناء الدنمرك انطلق من تأكيد احترام مبدأ احقية النشر واهمية التعبير الحر، ولكن بخلاف رأي الاسلاميين الذين يريدون المنع لعدم قناعتهم بمبدأ نشر الراي الحر. إن الدين يجب أن يتحمل التحديات كالسخرية والاستهزاء ويواجهها بدون عنف أو قمع، والا فهو ضعف وهشاشة ودليل على قلة الاستيعاب للمخالف أو المنتقد.


في بلد يحترم وجود المسلمين بشكل واسع ويعطيهم الحقوق المدنية الاساسية بالتساوي مع غيره، كل الاديان توضع على طاولة البحث.  في الدنمرك لا دين فوق القانون او فوق النقد والحوار، ولا حتى الدين المسيحي الذي يناقش ويحاور ويستفز باستمرار.  بل حتى البيت الملكي موضع حوار اليوم بين الاحزاب والشارع بين مؤيد لبقاءه ومؤيد لذهابه. فلا الملكة غضبت ولا الحرس تدخل ولا الشرطة قمعت المطالبين بفك رباط البيت الملكي عن موارد الدولة.
 

لذا يصعب على المتشددين القمعيين ان يستولوا على السلطة باسم اي دين او اي فكر، ويبقى الحوار والتوازن في التوجهات هو القاسم المشترك بين اغلب افراد الشعب الدنمركي.


لم يكن الدنمركيون ضد الاسلام او وجود الاسلام في بلادهم بل هاجوا لما شعروا أن القيم الدينية تفرض عليهم وأن العالم يريد بالقوة والقهر فرض رأي الدين عليهم. تجربة السلطة الدينية ظاهرة في الذاكرة، فمنذ القدم رفض الشعب والرأي العام الدنمركي هذا القمع والتضييق الفكري، فأصروا على  أحقية النشر وفق القانون وعدم تقديم اي تنازل.
 

في بلد يحترم وجود المسلمين بشكل واسع ويعطيهم الحقوق المدنية الاساسية بالتساوي مع غيره، كل الاديان توضع على طاولة البحث.اعرف ان الرسوم كانت فرصة للعديد من الاسلاميين لترتيب امورهم مع بيئات في الشرق الاوسط أو تهييج المسلمين على الغرب وتقوية حدة الصراع لكسب مزيد من الانصار للفكر الرافض للعيش المسالم، وهو بعض ما سأكشف عنه في كتابي تحت الاعداد بالتعاون مع دار نشر دانمركية معروفة. فقد كنت ضمن البيئة الاسلامية المحركة للأزمة واطلعت حتى على الاستفادة التي حصلت عليها الجماعات الاسلامية من الركوب على ظهر الكره لدى المسلمين وادارة الصراع باتجاه حصاد مزيد من الانصار والسلطة.
 

أخطأت بمشاركتي الواسعة والتامة في السعي وراء ادانة الدنمرك في أزمة الرسوم وتبين لي بعد بحث دام سنوات طويلة أني لم امنع من حقوقي المدنية رغم أن بلدي الدنمرك حملتني الجزء الاكبر من أسباب الكره الذي وقع فيه الدنمرك وبدأت رحلة استطلاع طويلة اكتشفت أن الدنمرك من البلدان القليلة في العالم التي تترك مساحة واسعة للاعتقاد والتدين الحر، بل التجمع على أساس ديني كما يفعل المسلمون في الجمع والاعياد مثلا.
 

الفكر الاسلامي الغيرمستنير فكر له اثر سلبي على حياة المسملين في الدنمرك، ويعاني العديد من المتنمين اليه من تعقديات  في القدرة على التصالح مع الحياة والمجتمع الذي هو فيه، وعندما تتبعت الفكر الى جذوره وجدته مبني على حركات سياسية أو تأويلات وتفسيرات مختلفة لا تحترم الرأي الآخر ولا تتسع عموما للخلاف اذا كان في العقائد او الفكر او التفسير، بل يرى في داخل نفسه القمع والمنع والتجهم المبرر.
 

الفكر الاسلامي الغير مستنير لا يستطيع تقبل القيم التي تبني عليها ثقافة الدنمرك ويراها منافية لما يؤمن به من دولة ومجتمع، ولذا تجده لا يوالي المجتمع ويحرض المسلمين على عدم موالاته، الا في حدود ضيقة، ثم يستغل حريته التي ضمنتها البلاد نفسها له لينقلب عليها ويتخلى بعد ذلك عن هذا المجتمع الذي استوعبه وحمى حقة في التعبير والتجمع كما حمى غيره. كأن الفكر الاسلامي الغير مستنير يقبل أن تكون له حرية الحياة والتعبير ويرفضها لغيره من المضادين لفكره.
 

لم يكن الدنمركيون ضد الاسلام او وجود الاسلام في بلادهم بل هاجوا لما شعروا أن القيم الدينية تفرض عليهم وأن العالم يريد بالقوة والقهر فرض رأي الدين عليهم.الفكر الاسلامي الغير مستنير بذلك شبيه بالفكر اليميني المتطرف أو اليساري المطرف الاصولي الايديولوجي التسلطي الذي لا يهتم الا بما يحمل هو من ايديولوجية، ولكن يختلف تكتيك الاسلاميين عن بعض، فبينما يعمل بعضهم بلطف وبتفسيرات مخففة للفكر الاسلامي الارتودوكسي ، يقوم اصحاب الفكر الارتوثوكسي المتشدد بالهجوم السافر على الفكر الديمقراطي من خلال التجمعات الدينية والاندية.
 في الختام جميعهم يعمل لغير صالح البلد وهذا أمر بات مرفوضا ويجب معالجته بالتربية والتثقيف والحوار المفتوح. يجب الكشف عن خفايا الفكر الاسلامي باشكاله ووضعه على طاولة البحث العامة والمكشوفة للجميع، ومن هنا ساشارك بكشف هذا الفكر على حقيقته ليضع نفسه صراحة امام الجماهير فتقبله او ترفضه كما هو لا كما يدعي أو يحاول ان يبرز نفسه.
 

لقد مررت برحلة طويلة من تقليب النظر والمعاشرة والاحتكاك مع البيئة الاسلامية والبيئة الشرق اوسطية وقارنتها بما اعيش فيه في البيئة الدنمركية ثم كانت اطلاعاتي على الفكر والتاريخ والنظرة الانسانية للدين والقيم الديمقراطية وبعض افكار النقد الديني من قبل بعض المفكرين المسلمين والغربيين فوصلت الى عدة قناعات أبرزتها احدى الصحف الدنمركية قبل مدة، أدت الى اهتمام وحوار واسع في المجتمع الدنمركي عموما حول ما ادى اليه اعادة نظري للحياة والمجتمع والدين.