الثلاثاء، ٢٥ يوليه، ٢٠١٧ 

السياسه

هل مصر في حاجة إلى مجلس شورى؟

جيانلوكا بارولين

 إن كنا نرى ضرورة تقييد الأغلبية البرلمانية فهل ينبغي تنفيذ هذا القيد (وفق نص الدستور) من خلال محكمة  متخصصة (مع مشاركة جميع سلطات الدولة في تعيين أعضائها بما يستوفي شروط الكفاءة) أم من خلال كيان أقرب منه للكيان «السياسي» على شاكلة المجلس التشريعي الثاني؟ أو من خلال كليهما؟

 
جيانلوكا ب. بارولين
 
 
أشعل العدد المحدود للناخبين الذين شاركوا في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى علاوة على الدور الغامض الذي يلعبه هذا المجلس منذ أن تأسس سنة ١٩٨٠ جدلا ساخنًا حول مدى الاحتياج إلى مجلس ثانٍ مع صياغة الدستور الجديد. ولكن بدلا من التركيز على تاريخ مجلس الشورى المحبط، أرى ضرورة ارتكاز القرار على أي من الوظائف التي يمكن لمجلس تشريعي ثان أن يؤديها. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد مستقبل المجلس وتشكيله وسلطاته، ولكن إذا لم تعتبر أي من الوظائف التي يقوم بها المجلس الثاني مرغوبًا في أدائها، فعندها ينبغي إلغاء العمل بنظام الهيئة التشريعية ذات المجلسين. 
 
إن كنا نرى ضرورة تقييد الأغلبية البرلمانية فهل ينبغي تنفيذ هذا القيد (وفق نص الدستور) من خلال محكمة متخصصة (مع مشاركة جميع سلطات الدولة في تعيين أعضائها بما يستوفي شروط الكفاءة) أم من خلال كيان أقرب منه للكيان «السياسي» على شاكلة المجلس التشريعي الثاني؟ أو من خلال كليهما؟يحد المجلس التشريعي الثاني من إعمال مبدأ الديمقراطية، إما من خلال ترسيخ مزايا الانقسام أو من خلال التعويض عن الآثار غير المرغوبة للتمثيل المتساوي، وهو الدرس المستفاد من الخبرات السابقة. وكلتا الوظيفتين الفرعيتين لهذا المجلس تنافيان تمامًا الممارسة الديمقراطية، ولكن لنحاول ألا نتجاهل الاعتبار الآتي: إن الغرض من الدستور تحديدًا هو الحد من سلطة الأغلبية مع التأسيس للمساءلة الفعالة. فهل هذا هو ما نسعى إلى تحقيقه؟ تواجه الديمقراطية على الدوام خطر التحول إلى حكم استبدادي، وتحتاج إلى ما يكبح جماحها، وذلك عملا بالتحذير الذي ساقه أفلاطون وأرسطو لنا منذ مئات السنين. ومن الممكن تصميم المجالس التشريعية الثانية لمواجهة هذا الخطر، أو على العكس من ذلك لكي تعمل على تفريغ الحكم من مشاركة الشعب، وهي الممارسة التي عكف عليها مجلس الشورى المنحل على مدى تاريخه. 
 
تغيرت مهام المجالس التشريعية الثانية تغيرًا ملحوظًا عندما بدأ النظر إلى الدساتير باعتبارها وثائق ملزمة وقابلة للنفاذ في المحاكم. ولكن قبل ذلك الحين كانت تلك المجالس الشكل المؤسسي الوحيد لتقييد سلطات الملك، أما عند انعدام مثل ذلك القيد فقد كان النظام الملكي يوصف بأنه ملكية مطلقة، وإن كان للمجالس التشريعية الحق في معارضة سياسات الحكومة، فكان النظام يوصف بأنه ملكية مقيدة أو حكم مختلط، ينبني على عدد من الصياغات المحتملة للسلطات، فيكون الحكم إما ملكيًا، أو حكم النخبة (الأوليغاركية)، أو ديمقراطيًا. 
 
في البداية كانت عضوية البرلمانات (التي لم تكن قد انقسمت بعد إلى هيئتين تشريعيتين) تستند على الألقاب، ثم امتدت بعد ذلك لتشمل طبقات أو مستويات أخرى داخل المجتمع (وأهمها رجال الدين/الإكليروس ورجال المحليات). وكانت العضوية في البرلمان الإنجليزي أو في «مجلس طبقات الأمة» الفرنسي تقوم على أساس طبقي بحيث اشتملت على أعضاء من النبلاء ومن رجال الدين ومن رجال الحكم المحلي. ولكن عندما بدأت الطبقة الدنيا، وطبقة رجال الحكم المحلي، في الاجتماع المنفرد وشكلت كيانًا جديدًا، اعتُبر ما تبقى من الجمعيات العامة السابقة هيئة تشريعية ثانية أو عليا. ولكن الفرع الذي انبثق عنه المجلس الأول أو الأدنى في الحالة الإنجليزية كان من صنع الملك (إدوارد الأول في نهايات القرن الثالث عشر) الذي ارتأى الفائدة المتأتية من وراء التفاوض مع الطبقة «الدنيا»، أي عموم الناس، على انفراد، ومن هنا جاء مجلس العموم. أما بالنسبة للحالة الفرنسية فقد جاء هذا الفرع الذي ترتب عليه إنشاء المجلس الأول بناء على قرار من الطبقة «الدنيا» ذاتها، وهي طبقة رجال الحكم المحلي والبرجوازيين، الذين قرروا الاجتماع منفردين نتيجة لوصول المباحثات داخل «مجلس طبقات الأمة» إلى طريق مسدود (وذلك عشية اندلاع الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر). 
 
ومع التوسع في حقوق الانتخاب، عزز المجلس التشريعي «الأدنى» أو الأول من شرعيته الديمقراطية، في حين حافظ المجلس التشريعي «الأعلى» أو الثاني على دوره المتمثل في كونه من عوامل المحافظة أو الاعتدال المستندة إلى شرعية حكم النخبة. ولذلك كلما اتجهت النية نحو إعلاء العامل المحافظ أو المعتدل ازداد التساوي بين سلطات المجلس التشريعي «الأعلى» أو الثاني مع تلك الممنوحة للمجلس التشريعي «الأدنى» أو الأول. وفي الحالات التي تتطلب موافقة كلا المجلسين على أي مشروع قانون قبل سَنِّه (في النظم مزدوجة المجالس التشريعية متساوية السلطات)، يمكن أن نلحظ بوضوح تقيد مبدأ الديمقراطية بتوجه النخبة.  وفي هذا الصدد يقدم لنا الدستور البلجيكي لسنة ١٨٣١ مثالا جيدًا لحالة النظام مزدوج المجالس التشريعية ذات السلطات المتساوية كما مثل نموذجًا احتذته العديد من الدساتير الأخرى ومن بينها القانون العثماني الأساسي لسنة ١٨٧٦ ودستور ١٩٢٣ المصري. أما العضوية في المجلس التشريعي «الأعلى» أو الثاني فلا تزال قائمة على النظام الطبقي (الأمر الذي يتطلب حدًّا أدنى من المساهمة الضريبية)، ولكن صاحبَ هذا طرحُ عنصر التمثيل لاحقًا (فلم يعد الأعضاء يقتصرون على الممثلين من حملة الألقاب المتوارثة كما كان الحال في إنجلترا، ولكن الأعضاء كانوا منتخبين بشكل كامل في بلجيكا وبشكل جزئي في مصر ( مع احتفاظ الملك بحق تعيين خمسي الأعضاء في حالة مصر). وقد استمر شرط شرعية حكم النخبة وشرط دفع المساهمة الضريبية بجانب شرط آخر وهو كبر السن (يجب ألا يقل سن المرشح عن ٤٠ سنة في بلجيكا ومصر) مع الانتماء إلى فئات أو طبقات بعينها بالنسبة لمصر (الموظفين بالدولة والسلطات الدينية وكبار أعضاء الهيئة القضائية والجيش). 
 
من الممكن أن يكون المجلس التشريعي الثاني نسخة طبق الأصل من المجلس التشريعي الأول ولا طائل من ورائه، أو مجلسًا مؤثرًا في تحقيق ديمقراطية نيابية، أو أسلوبًا مخادعًا من جانب السلطة التنفيذية للسيطرة على السلطة التشريعيةويقال إن نظام الهيئة التشريعية ذات المجلسين متساويي السلطات مهد الطريق أمام التوسع في حق الانتخاب وصولا إلى حق الانتخاب العام بسبب وظائفه المحافظة أو المحققة للاعتدال، وذلك من خلال توفير الضمان في مواجهة المبدأ الديمقراطي. وقد عزز حق الانتخاب العام بدوره مطالبات الشعب بالمشاركة الكاملة في عملية اتخاذ القرار. ومع بدء تحقيق المبدأ الديمقراطي لكامل قدراته، أضيفت إلى المهام السياسية التقليدية للمجالس التشريعية «الثانية» بعض القيود القانونية التي حفظتها الدساتير التي سُنَّت وعملت المحاكم (المتخصصة) على إنفاذها. ففي العصور الوسطى لم تكن الدساتير تعتبر أكثر من مجرد التزامات أخلاقية (سياسية: مقروءة)، وكانت بالتأكيد «غير مناسبة أن تجري على لسان أي محامٍ»، وذلك على حد القول الذكي الذي ورد على لسان هنري دي براكتون (Henry de Bracton) أحد الفقهاء القانونيين الإنجليز في القرن الثالث عشر. ومع مرور الزمن تحولت النظرة إلى الدساتير باعتبارها «مناسبة لأن تجري على لسان المحامين»، ولكن ليس على لسان «أي محامٍ»، إذ اتضح أن تفسير الدساتير وإنفاذها ترتب عليه عدد من الاعتبارات السياسية التي ارتأى أصحاب النظريات القانونية أن مناقشتها لا تتناسب والمحاكم العادية التي تقتصر وظيفتها ببساطة على «تنفيذ» القانون – دون تفسيره (!)  فعند تصميم هيئة مركزية متخصصة معنية بإنفاذ الدستور، عكف القانوني النظري هانز كيلسن (Hans Kelsen) في القرن العشرين على تصور هيكل لمحكمة أعضاؤها من رجال القانون ولكن من اختيار سلطات الدولة على أساس سياسي. أما بالنسبة للنموذج النمساوي في سنة ١٩٢٠ على سبيل المثال،  فقد اشتُرط التعيين من جانب الرئيس الفيدرالي على أن يتم ذلك على أساس قوائم من إعداد الحكومة والمجلسين الفيدرالي والوطني اللذين يتكون منهما البرلمان (بحيث يختار من كل منهما ثلث أعضاء المحكمة).
 
أدى ظهور محاكم دستورية متخصصة تعكف على مراجعة الأحكام القضائية وتفصل في المنازعات القائمة بين سلطات الدولة وتُصدر القرارات بشأن الاتهامات الموجهة إلى رأس الدولة إلى طرح نظام لإنفاذ الدستور يتسم بتفضيل المسار القانوني على السياسي، وهو ما حقق توازنًا سياسيًا كانت المجالس التشريعية الثانية تضمنه فيما سبق. غير أن مشاركة جميع سلطات الدولة في اختيار أعضاء مثل هذه المحاكم أثبت أن الاعتبارات السياسية لم يُغَضّ الطرف عنها تمامًا، وأن التعيينات يمكن النظر إليها باعتبارها تعيينات سياسية.  ولذلك يجب أن يتضح مدى التشابه الكبير بين المحاكم الدستورية والمجالس التشريعية الثانية، وكونها تؤدي العديد من وظائف تلك المجالس، فإن أخذنا في الاعتبار القرارات الصادرة بشأن التهم الموجهة إلى رأس الدولة، سنجد أن هذه المهمة تؤديها المحكمة الدستورية (التي دُمجت في النظام الحاكم بأشكال مختلفة) في النظم الأوروبية القارية، بينما يؤديها المجلس التشريعي الثاني في النظم الأنجلو- سكسونية (المتمثلة في مجلس اللوردات في إنجلترا أو مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة الأمريكية). 
 
ولابد من ربط الانحسار العام لعدد المجالس التشريعية الثانية على مدار العقود القليلة الماضية بالزيادة في عدد المحاكم الدستورية (المتخصصة). فنجد أن النظم التي احتفظت بالمجلس التشريعي الثاني تميل إلى التركيب الفيدرالي، وليس هناك ما يحول دون أن يكون لأي نظام للحكم متعدد المستويات مجلس تشريعي ثانٍ. فمن الممكن أن يعمل النظام الفيدرالي بموجب مجلس تشريعي (فيدرالي) أحادي ومحكمة دستورية تفصل في النزاعات على المستوى الفيدرالي/ على مستوى الدولة. ولكن أغلب النظم الفيدرالية اختارت ترسيخ الامتيازات (الإقليمية) القائمة على أساس طبقي من خلال الاحتفاظ بمجلس تشريعي ثان. وعندما تعمل الولايات على توزيع جزء من سيادتها أثناء عملية التحول إلى النظام الفيدرالي فإنها تحاول أيضًا الاحتفاظ ببعض من سيطرتها على تلك العملية من خلال نظام الامتيازات، وهي الامتيازات المعنية بأن تكون الولاية ذات وزن بغض النظر عن حجمها وهو ما يحول دون أن تجور الولايات الأكبر حجمًا على سلطاتها السيادية المتبقية الأخرى التي لم تطرحها للمشاركة. ففي عام ١٧٨٧ عند انعقاد «المؤتمر الدستوري» أعربت الولايات الأصغر حجمًا وعلى رأسها ولاية ديلاوير عن قلقها إزاء اتباع التمثيل النسبي بناء على عدد السكان في الولاية الذي قد يضطرها إلى الاستسلام لضغوط الولايات الأكبر عددًا، وبذلك نادت بنظام للتمثيل المتساوي. وتمثل «الحل الوسط الأكبر» في تأسيس كونجرس (هيئة تشريعية) من مجلسين يتأسس فيه المجلس الأول وفقًا للتمثيل النسبي، بينما يقوم المجلس الثاني على التمثيل المتساوي – والمساواة في هذا السياق تشير إلى الولايات لا إلى المواطنين بالطبع (!). وجرت الاستعاضة عن التمثيل القائم على أساس الطبقة الاجتماعية بالتمثيل القائم على أساس إقليمي، غير أن وظيفة المجلس الثاني المتمثلة في كونه معبرًا عن موقف مكرس لعدد من الدوائر المعينة المحدودة لا تزال قائمة. ويعد التمثيل المتساوي للولايات في مجلس الشيوخ الأمريكي بغض النظر عن عدد سكان الولاية مثالا على ذلك، بل ويمكن إرجاع التمثيل غير المتساوي للوحدات (الولايات) دون الفيدرالية داخل الكيان الفيدرالي إلى الديناميكيات التاريخية لعملية التحول إلى النظام الفيدرالي، إذ تمثل المجالس التشريعية الثانية لحظة تاريخية في عملية التحول إلى النظام الفيدرالي وتخلدها، وهي اللحظة التي تمكنت من خلالها الوحدات دون الفيدرالية من استقطاب سلطات تفوق السلطة الفيدرالية عندما كانت في موقع يسمح لها بالتفاوض بشأن شروط الانضمام إلى النظام الفيدرالي. وتتشابه الديناميكيات على المستوى الأوروبي عند الأخذ في الاعتبار الأدوار المتغيرة لمؤسسة البرلمان وللمجلس داخل العملية التشريعية. 
 
أما في الدول ذات الحكم المركزي فلا يزال بإمكان المجالس التشريعية الثانية في حالة وجودها أداء الوظائف (السياسية) المعنية بتحقيق الاعتدال التي كانت تقع على عاتقها قبل إنفاذ الدساتير في المحاكم، ولكن مع استمرار تبرير تقييدها للمبدأ الديمقراطي، فالأمر ليس سهلا. وإن كانت المجالس التشريعية الثانية تستقي شرعيتها من المبدأ الديمقراطي الذي تخضع له المجالس التشريعية الأولى، فيبدو أن الحجة القائلة بالتكرار لها وجاهتها. فما الداعي إذن لإقامة مجلسين تشريعيين يجري شغل مقاعدهما بطريقة واحدة؟ وما المزايا التي يأتي بها المجلس التشريعي الثاني إن كان مجرد نسخة طبق الأصل من المجلس التشريعي الأول؟ وهل لنا أن نخصص الموارد بطريقة أكفأ؟ وإن كانت القيمة المضافة المتحققة هي التدبر الحثيث في العملية الطويلة، فبإمكان المجالس التشريعية الواحدة تبنِّي إجراءات خاصة بالقراءة داخل اللجان أو الجلسات العامة أو خاصة بالقراءات المتعددة التي تضمن أن تكون القرارات قد حظيت بالقدر الكافي من التفكير المتأني دون الحاجة إلى مجلس تشريعي ثانٍ. وعلى امتداد عملية تقييد التمثيل القائم على أساس طبقي فقد انقطع العمل بالتجارب القائمة على المجلس التشريعي الثاني في بعض الحالات،  أو يدور جدل حول إلغاء هذا المجلس حيثما يجري انتخاب الأعضاء بطريقة تشبه انتخاب أعضاء المجلس التشريعي الأول كما هي الحالة في إيطاليا.  
 
ولا تتجاوز الاختلافات الطفيفة في الشروط المتعلقة بالناخبين ولا بالمرشحين لعضوية المجلس التشريعي الثاني بشكل مناسب الحجة القائلة بالمحاكاة بين المجلسين. كما أن مبدأ شرعية هذا المجلس الأرستقراطية يبدو أنه آخذ في الانحسار بدوره حتى في أعتى معاقله، إذ تراجع عدد حملة الألقاب المتوارثة الذين دعوا للمشاركة في جلسات مجلس اللوردات إلى ٩٢ اعتبارًا من سنة ١٩٩٩. ويبدو أن التوليفة بين الأعضاء المنتخبين والمعينين واحدة من أكثر الأساليب شيوعًا في شغل مقاعد المجلس التشريعي الثاني في الوقت الحالي، ولكن التعيين يؤدي بسهولة إلى سوء استغلال النفوذ كما يمنح الجهة القائمة على التعيين سلطة غير مبررة على المجلس الأدنى بشكل بنيوي، وهي السلطة التي يمكن استغلالها لتقييد مجلس منتخب بشكل ديمقراطي كامل، كما أثبتت تجربة مجلس الشورى اعتبارًا من سنة ١٩٨٠.  
 
هل تحتاج مصر إلى مجلس تشريعي ثانٍ؟ لا يزال أمامنا سؤالان أساسيان. إن كنا نرى ضرورة تقييد الأغلبية البرلمانية فهل ينبغي تنفيذ هذا القيد (وفق نص الدستور) من خلال محكمة متخصصة (مع مشاركة جميع سلطات الدولة في تعيين أعضائها بما يستوفي شروط الكفاءة) أم من خلال كيان أقرب منه للكيان «السياسي» على شاكلة المجلس التشريعي الثاني؟ أو من خلال كليهما؟ وفي هذا السياق تصعد مسألة الافتقار إلى الشرعية على السطح، ودون حل مقنع لها. وتبدو الشرعية الديمقراطية الأساس المنطقي الوحيد، إذ يبدو أن التشكيل التاريخي المستند إلى الطبقية للمجلس التشريعي الثاني المبني على الشرعية الأرستقراطية قد فقد كل جاذبيته وأن موته قادم لا محالة حتى في ظل نظام محافظ تقليديًا مثل النظام البريطاني. ولكن الديمقراطية الحديثة ديمقراطية نيابية. ومن هنا نصل إلى السؤال الأساسي الثاني. 
 
هل نُرجع أوجه الفشل البنيوية إلى طريقة انتخاب النواب؟ من الممكن إسناد الأخطاء الواقعة في العملية النيابية بشكل أساسي إلى النظام الانتخابي أو الحزبي. ويمكن التصدي إلى أخطاء النظام الانتخابي من خلال التشريع الذي يخضع له، ولكن يمكن القول بأن هناك عددًا محدودًا فقط من الفئات المحتملة التي لا يضمن تمثيلها سوى العمل على النظام الانتخابي وحده. فعلى سبيل المثال عند التفكير في نظام الحصص كم عدد الفئات التي نرغب في تخصيص حصص لصالحها؟ حصة للنساء وحصة للعمال وحصة للفلاحين على سبيل المثال؟ ويُعتبر النظام القائم على المزج بين مجموعتين نظامًا مركبًا على شاكلتين برهانًا واضحًا على استحالة ضمان الحيلولة دون هيمنة مجموعة على أخرى (العمال على الفلاحين أو العكس). وعند إضافة عنصر آخر إلى المعادلة - ألا وهو النساء في هذه الحالة - فإن هذا العنصر يكاد دائمًا يعاني من تجنيبه.  وتُعتبر الأخطاء التي يشهدها النظام الحزبي التي تؤثر على تمثيل جميع فئات المجتمع أصعب في التصدي لها على المستوى التشريعي الذي تخضع له ممارسة الحقوق السياسية، وخصوصًا داخل سياق الحياة الحزبية التي عانت من الإفقار كما كان حال الحياة الحزبية في مصر على مدار عقود من الزمان. ففيما يبدو أن انعدام قدرة الأحزاب على تأسيس برامجها وحشد الناخبين في غضون إطار زمني محدود قد جاء في صالح كيانات سياسية تمكنت من استخدام شبكات راسخة وقائمة منذ وقت سابق في حشد الناخبين لدعم ناخبيها (وناخبي مجموعات أخرى). فهل النظام الحزبي القائم غير قادر أو غير راغب في استقطاب المرشحين من جميع قطاعات المجتمع ودعمهم بنجاح؟
 
وإن كنا نؤمن بأن هناك أوجه قصور بنيوي في طريقة انتخاب النواب في الوقت الحاضر، فهل من الممكن أن يملأ المجلس التشريعي الثاني هذه الفجوة وأن يضمن كفاءة الديمقراطية النيابية؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف يتم؟ وما هي السلطات التي ينبغي أن تكون لهذا المجلس؟ ويبدو أن هذه الأسئلة سوف تحتاج الجمعية التأسيسية التصدي لها. أولاً من خلال تحديد أي فئات المجتمع لا تحظى بالتمثيل الكافي أو غير الممثلة كلية في المجلس القائم؛ ثانيًا عند تحديد المنهجية المُثلى لضمان تمثيل تلك المجموعات، وهي الطريقة التي لا بد من أن تتنوع بتنوع الفئات (فلا يمكن تطبيق المنهجية المستخدمة مع النساء على الفلاحين ولا يمكن تطبيقها على العمال ولا على الأقليات العرقية ولا الدينية وهكذا). ويمكن أن تتباين منهجيات انتقاء الأعضاء بالمجلس بين الانتخاب المباشر بالنسبة للمقاعد المحجوزة، والعضوية بموجب المنصب (استنادًا إلى منصب معيّن يشغله الفرد كما هو الحال بالنسبة لرؤساء النقابات أو الاتحادات)، أو من خلال الانتقاء من بين الفئات المهنية أو التجارية المحددة. وبالطبع من الممكن أن تتحول هذه المنهجيات إلى انتهاكات إن لم يجر تصميمها تصميمًا جيدًا كما هو الحال بالنسبة لقوائم العمال والفلاحين. كما ينبغي الحد من تعيينات رئيس الجمهورية إلى الحد الأدنى أو الاستغناء عنها تمامًا. وإن كانت وظيفة المجلس التشريعي الثاني تحقيق التكامل مع المجلس التشريعي الأول، فلا بد أن تكون سلطاته متسقة مع قدر ذلك التكامل المنظور للمجلس الثاني. فعلى سبيل المثال من الممكن تحقيق المزيد من التساوي في السلطات (في النظام التشريعي ذي المجلسين متساويي السلطات) في حالة إخفاق النظام القائم في تمثيل قطاعات المجتمع والتوجهات الأيديولوجية المهمة، أو قدر أقل من السلطات المتساوية (في النظام التشريعي ذي المجلسين غير متساويي السلطات) – مع استبعاد إمكانية سحب الثقة من الحكومة على الأقل. 
 
من الممكن أن يكون المجلس التشريعي الثاني نسخة طبق الأصل من المجلس التشريعي الأول ولا طائل من ورائه، أو مجلسًا مؤثرًا في تحقيق ديمقراطية نيابية، أو أسلوبًا مخادعًا من جانب السلطة التنفيذية للسيطرة على السلطة التشريعية. ولكن يعتمد الأمر برمته على الإجابات المقدمة على الأسئلة الرئيسية المطروحة آنفًا.  وهي الإجابات التي يتعين الاستفاضة في طرحها للنقاش العام قبل أن تصل إلى الجمعية التأسيسية. وعندها سوف تتدفق الصياغة الدستورية بسلاسة - إن شاء الله.